لبنان و”الأيام العشر”

آخر تحديث : السبت 2 نوفمبر 2019 - 1:43 مساءً
بقلم: حاتم عبد القادر
بقلم: حاتم عبد القادر

يشهد لبنان، منذ السابع عشر من أكتوبر المنصرم، أكبر تظاهرات وحركة احتجاجية في تاريخه، ليطالب المحتجين من مختلف طوائف الشعب اللبناني بإسقاط الحكومة والنظام ومجلس النواب معا.

ثار اللبنانيون في وجه الفساد والفقر والبطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية بعد أن استئثرت الطبقة الحاكمة والنخب السياسية بمجريات الأمور؛ ما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي وسوء الخدمات والمرافق لسنوات عديدة في بلد لُقِبَ بـ”باريس الشرق”، دلالة على رقيه وثقافة شعبه وجمال مدنه وطبيعته الخلابة، والحرية الحقيقية التي يتمتع بها شعب لبنان في حالة منفردة عن بقية الشعوب العربية.

اليوم، “باريس الشرق” تنتفض في وجه حكامها وساستها، وطالت اتهامات الفساد أعلى رأس في الدولة، مطالبين الكل بالرحيلن وفي عشرة أيام اضطر سعد الدين الحريري رئيس الحكومة إلى تقديم استقالته، ليحصد المنتفضين أول إنجاز لمطالبهم.

بدأت الموجة في السابع عشر من أكتوبر المنصرم آخذة في التصاعد، بينما تدور المزايدات والمشاورات بين النخب السياسية وأهل الحكم وصنع القرار، على أمل إيجاد مخرج للأزمة، وان تكون الاحتجاجات مجرد “زوبعة في فنجان”، إلا أن وعي الشعب وإصراره هذه المرة على الوصول إلى حقوقه فاقت كل التوقعات ونسفت محاولات النخب ومن كان يريد منهم أن يلعب على البعد الطائفي طبقا لتركيبة المجتمع اللبناني.

في الأيام العشر الأولى للانتفاضات كانت الرسالة واضحة للعالم وليس للداخل اللبناني فحسب، فقد استطاع اللبنانيون رسم لوحة فنية بديعة بثتها جميع وكالات الأنباء ومحطات التليفزيون في العالم، على مدار الساعة، ففي عفوية ووعي نبيل تظاهر كل اللبنانيون تحت مظلة الوطن، خالعين رداء الطائفية (مكانا وعقيدة)، واختاروا توحيد الجغرافيا الطائفية على مكان واحد وزمان واحد وكلمة واحدة.. اجتمعوا على الوطن “لبنان”، فلا تعرف المسلم من المسيحي، السني من الشيعي، الأرثوذكس من الماروني أو الدرزي أو الكردي.. الكل انتفض تحت راية العلم اللبناني الذي زين فضاء الاحتجاجات في عموم لبنان.

في الأيام العشر الأولى، كانت عمر الانتفاضات التي اندلعت في السابع عشر من أكتوبر لم ينم فيها ساسة لبنان ولم يهدأ لهم جفن، وراح الجميع يشحن المتظاهرين (كل ضد خصومه السياسيين)، لا من أجل عيون المتظاهرين، بل بحثا من المخرج الصعب من الأزمة المتصاعدة، فالجميع تطاله اتهامات الفساد.

خلال الأيام العشر تحدث حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، مرتان، في الأولى كان خطاب تهديد ووعيد للجميع، للحكومة وللمتظاهرين، وتهديد واضح بأنه في حال نزول “حزب الله” إلى الشارع سيتغير المشهد تماما، وفي المرة الثانية كان الخطاب أكثر حكمة ورصانة بعد استقالة “الحريري” بعدما أحس “حزب الله” بأن مجريات الأمور ربما تأخذ الكل إلى سيناريوهات أبعد من المتوقع.. وينتظر خطاب ثالث لنصر الله الذي يمثل حزبه الرقم الأصعب والأهم في المعادلة السياسية للبنان.

الكل يترقب تطورات المشهد اللبناني عن كثب، وما ستسفر عنه الأيام المقبلة. بالأمس وجه الرئيس اللبناني ميشال عون خطابا اعترف فيه بأن لبنان يعيش أزمة حادة وأن بلاده في مفترق طرق، مشيرا إلى الشروع في إصدار قانون جديد للانتخابات يراعي التمثيل العادل للبنانيين وتشكيل حكومة كفاءات لا ولاءات سياسية، داعيا المتظاهرين للضغط على مجلس النواب للبدء في محاسبة الفاسدين والتشريع لقوانين جديدة.

وبمجرد انتهاء “عون” من كلمته تصاعدت أصوات المتظاهرين في ساحات لبنان رافضين كلمة “عون” وأنها لم تأتي بجديد، واتهامات لـ”عون” من داخل ساحات الغضب بأنه يعيش خارج الزمن أو ربما يتحدث عن وطن آخر غير لبنان، فخطاب “عون” لم يحمل سوى عموميات ومبادئ مفتوحة لا حلول نهائية أو قرارات نافذة.

ساحات الغضب تعلن أن اللبنانيين لن يقبلوا بحلول الموائمة أو التخدير الموضعي، وشعارات الأيام العشر عادت من جديد “كلن يعني كلن”.. أي الخلاص من الجميع لتبدأ خطوة جديدة في الحراك اللبناني لإسقاط النظام الحاكم “العهد”، مؤكدين مجددا “لا ثقة لا تفاوض لا تراجع”.

رابط مختصر
2019-11-02
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العربي الأفريقي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

حاتم عبدالقادر