
بقلم: د. وجدي صادق
لم يعد الإنتظار أمام أبواب إداراتكم الرسميّة مجرّد طابور… بل صار مشهداً يوميّاً من مسرحية إذلال ممنهجة، يُعاد عرضها على خشبة الدولة، والجمهور دائماً هو المواطن المسكين الذي يدفع ثمن تذاكر العرض من كرامته. نقف على العتبات كأننا نتسوّل حقاً لا فضلاً، نبتلع مرارة الساعات المهدورة، بينما يجلس المسؤول خلف مكتبه كأنّه قيصرٌ صغيرٌ ورث البلاد بمن فيها.
•تنتظر… وتنتظر… لا لأنّ العدالة بطيئة، بل لأنّ الغرور أسرع من الواجب، والباب المغلق أقوى من القانون. وحين تنفتح تلك البوابة أخيراً ليستقبلك ذاك المسؤول، ترى وجه جامد ونظرة متعالية، تدخل وفي صدرك سؤال واحد: لماذا يجب أن نُهان لنُعامل هكذا؟ ولماذا يبدو المسؤول في بلدي كأنه يمنّ عليك بوطن لا يملكه؟ تشرح حاجتك فيرمي عليك صمته كحائط، تطلب حقك فينظر إليك كأنك تطرق باب عرشه، تضع مستنداتك على طاولته فيرفع حاجبه كأن ملفات الناس أوزار تُثقل وقاره. إمّا أن تخرج من عنده مكسوراً مطحون الروح، بلا صوت، وإمّا أن تخرج بلا خدمة، بلا حق، بلا أي تفسير سوى أنك “مجرد مواطن غير مدعوم”… وهذا يكفي لإسقاطك من قائمة الأولويات… أيها السادة القابعون خلف المكاتب المصقولة، نحن لم نعد نطالب بإصلاح.
نحن نطالب بانهيار منظومة لا تعرف سوى القمع البيروقراطي، نطالب بثورة كرامة تُعيد تعريف معنى المسؤولية، تخلع كل بابٍد لا يفتح إلّا للواسطة، وتُسقط كل كرسي يعلو على الناس بدلاً من أن يخدمهم. لقد تعبنا من الوقوف. تعبنا من الصمت. تعبنا من أن نُعامل كأنّ وجودنا على أبوابكم خطيئة، وكأنّ مطاليبنا وحاجياتنا إليكم ضعف. هذا ليس نقداً…هذا صراخ. ليس عتباً… هذا إنذار. ليس لوماً… هذا إعلان رفض كامل لمنظومة تحسب المواطن درجةً ثانية، والذلّ شرطاً أساسياً للمعاملة. لن نكون ظلّاً في وطن وُلدنا فيه أصلاً. لن نكون طابوراً يُصفَّ ويُقهر. ولن يبقى بابٌ مغلقٌ إلى الأبد، فالشعوب التي تنتظر طويلاً، حين تنهض، تنقلب على الإنتظار نفسِه.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
