في ظرف دولي وإقليمي معقد، تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران بوتيرة حادة، في ظل احتجاجات شعبية متواصلة داخل إيران، وتصريحات رئاسية أمريكية حادة تربك السياسة الخارجية، ومواقف دولية وإقليمية متباينة حول احتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية إلى إيران خلال الأيام أو حتى الساعات القادمة.
تراكم الأحداث الأخيرة يضع العالم أمام سؤال محوري: هل الحرب على الأبواب؟ أم أننا أمام ذروة في التصعيد تدار دبلوماسيًا؟
هل تبحث واشنطن حقا عن حقوق المتظاهرين في إيران أم تبحث عن الفوضى؟
بدأت الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر 2025 كرد فعل على التدهور الاقتصادي وانهيار العملة، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة شعبية واسعة ضد مؤسسات الحكم نفسها، مع سقوط آلاف الضحايا وعمليات اعتقال واسعة وتصعيد رسمي من طهران لوصفها بـ “الأعمال التخريبية المدعومة من الخارج”.
هذا التوصيف جاء من أعلى مستويات السلطة، بما في ذلك المرشد الإيراني الذي حمل الولايات المتحدة مسؤولية التحريض وأكد أن النظام سيفتك بقواه في مواجهة “مثيري” الاحتجاجات.
في المقابل، عبر البيت الأبيض عن دعمه للشعب الإيراني، واصفاً إياه بالشجاع، ومؤكدًا في أكثر من مناسبة استعداده لـ “التدخل” إذا ما استخدمت السلطات الإيرانية القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
هذه الموجة الاحتجاجية التي هزت القاعدة الشعبية للنظام وأسهمت في تسجيل تقارير استخباراتية أمريكية عن أضعف حالة يمر بها النظام منذ الثورة عام 1979، تعد عاملاً مؤثرًا في الاستراتيجية الأمريكية حاليًا، إذ يرى محللون أن واشنطن قد تستغل حالة الضعف الداخلي لدفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية أو حتى تغيير في السياسات.
الخطاب الأمريكي: استفزازات وتحذيرات… والدبلوماسية لا تزال على الطاولة
في الأسابيع الأخيرة، كرر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تحذيره لطهران، معلنًا أن أسطولًا عسكريًا ضخمًا بقيادة حاملة الطائرات، في طريقه نحو المياه القريبة من إيران، مع رسالة واضحة بأن الوقت ينفد أمام النظام الإيراني للتوصل إلى اتفاق قبل أن تستخدم القوة.
في تصريحاته المتلاحقة التي نقلتها وسائل إعلام أمريكية، قال ترامب إن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة العسكرية، إلا أنه ترك الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية عندما أشار إلى استمرار خيارات التفاوض، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الإدارات السابقة لم تنجح في التعامل مع طهران بصرامة كافية.
خبراء السياسة الأمريكية يرون أن خطاب ترامب هذا يحمل طابع ضغط استراتيجي مزدوج: أولاً لردع النظام الإيراني عن مزيد من القمع الداخلي، وثانياً لإجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية أو حتى دفعها نحو مفاوضات غير مباشرة، لكن دون أن يُعلن صراحة عن نية شنّ هجوم وشيك.
في هذا السياق، يشير مستشار أمني أمريكي سابق إلى أن تصريحات مثل هذه غالبًا ما تُستخدم كـ أداة نفسية وسياسية أكثر من كونها نية تنفيذ فورية، وأن ترامب يبحث عن مخرج يوازن به بين تصريحاته وتصعيداته الخارجية.
المواقف الدولية بين التحريض الأوروبي والتهدئة العربية
المشهد الدولي يشهد تباينًا واضحًا في كيفية معالجة الأزمة الإيرانية:
في الشرق الأوسط، دعت تركيا إلى حل النزاعات عبر الحوار وتفادي استخدام القوة، مشددة على أن أي تصعيد عسكري سيكون له عواقب كارثية على المنطقة، كما حذرت من أن تدخلًا مباشرًا من شأنه أن يُعمّق الانقسامات الإقليمية.
في الوقت ذاته، تشير تقارير إعلامية إلى أن دول المنطقة العربية بقيادة مصر والسعودية وقطر تعمل على ثني واشنطن عن خيار ضربة عسكرية، معتبرةً أن أي مواجهة ستقود إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وأن مشاركة هذه الدول في أية عملية عسكرية ضد إيران غير واردة.
أما العراق فقد أكدت في بياناتها الصادرة عن وزارة الخارجية العراقية، أن بغداد تقوم بدور الوسيط الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، من خلال اتصالات دبلوماسية رفيعة للعمل على ضرورة خفض التصعيد والتركيز على الحلول السلمية، وسط قلق عميق من تداعيات أي حرب محتملة على أمنها واستقرارها، حيث أكدت في أكثر من تصريح أنها لن تقبل أن تستخدم أراضيها في أي هجوم ضد طهران.
من جانب آخر، الدول الأوروبية أبدت موقفًا تحريضيا يدعو إلى إسقاط النظام في إيران، من خلال ضغط سياسي متزايد على طهران بشأن حقوق الإنسان والتفويض للقنوات الدبلوماسية لمعالجة الأزمة الحالية.
أم الصين وروسيا فقد أعلنت كل منهما عن رفضها لاستخدام القوة وضرورة احترام سيادة الدول وحل الخلافات عبر الحوار، وهو ما يعكس رغبة هذه القوى في تفادي تصعيد يتجاوز حدود المنطقة.
السيناريوهات المستقبلية
في خضم هذه التعقيدات، يرى المحللون أن القرار الأمريكي بشأن توجيه ضربة ليس محسومًا، وأن هناك عدة سيناريوهات محتملة للمسار القادم:
الضغط التكتيكي وليس الحرب الشاملة
يعتبر هذا السيناريو الأكثر احتمالًا في الأمد القصير، حيث تستمر واشنطن في استخدام تصاعد التهديدات العسكرية كوسيلة للضغط السياسي والنفسي على إيران، دون تنفيذ هجوم شامل، وهي استراتيجية قد تحقق أهدافها في دفع طهران لتقديم تنازلات أو الدخول في مفاوضات تحت ضغط الشارع والاقتصاد.
تصعيد محدود يستهدف مواقع محددة
هذا الاحتمال يعود في حال قررت واشنطن توجيه ضربة جراحية استباقية تستهدف مواقع عسكرية أو بنية تحتية محددة في إيران، دون إعلان حرب كاملة. إلا أن هذه الخطوة قد تجلب ردود فعل إقليمية غير محسوبة من طهران وحلفائها في المنطقة.
وأخيرا استكمال المسار الدبلوماسي
في هذا السيناريو، تنجح الجهود الإقليمية والدولية في تهدئة الأوضاع وإيجاد صيغة للحوار بين أطراف الأزمة، قد تشمل تخفيف التهديدات العسكرية مقابل تقديم تنازلات سياسية داخل إيران، أو ضمان عدم تكرار العنف ضد المتظاهرين.
في اللحظة الراهنة، لا توجد دلائل قاطعة على أن ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران وشيكة في الساعات القادمة، رغم التصريحات النارية والتحشيد العسكري الذي يشهده الملف، إذ أن المنطقة تمر بمرحلة حرجة من عدم اليقين، تتداخل فيها عوامل داخلية في إيران، ضغوط أمريكية وسياسة خارجية محلية، ومواقف إقليمية ودولية متعددة الأبعاد.
ولكن الأمر المؤكد أن الاحتجاجات الشعبية داخل إيران والتحليلات الاستخبارية التي تشير إلى هشاشة النظام تعد عاملين قد يؤثران على قرار واشنطن، لكن دبلوماسية متكاملة وإدراكًا لخطورة حرب شاملة تجعل السيناريو الأكثر احتمالًا في المرحلة الراهنة هو مواصلة الضغط السياسي والدبلوماسي مع إبقاء خيار القوة مفتوحًا، وليس الذهاب مباشرة إلى مواجهة عسكرية واسعة.













