“حليف الورق”.. هل تملك موسكو القدرة على إنقاذ طهران من مصير فنزويلا؟

29 يناير 2026آخر تحديث :
“حليف الورق”.. هل تملك موسكو القدرة على إنقاذ طهران من مصير فنزويلا؟
فاطمة خليفة:

في الوقت الذي تواجه فيه إيران أكبر أزمة وجودية في تاريخ نظام الملالي، عبر الاستعدادات العسكرية الأمريكية لضرب طهران، والتهديدات الإسرائيلية بإسقاط النظام، والحصار الدبلوماسي الأوروبي عبر فرض العقوبات الدولية، تتجه الأنظار مع اقتراب المواجهة، إلى طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه روسيا لإيران في ظل الحديث المتزايد عن السقوط الوشيك للنظام الإيراني، حيث يرتكز هذا الدعم على ثلاث ركائز أساسية بدأت تتشكل ملامحها بوضوح. 

 

التحالف عند الاختبار.. هل موسكو عاجزة عسكريا عن إنقاذ حلفائها؟

عسكرياً، تؤكد التقارير الرسمية الصادرة عن وزارتي الدفاع في البلدين أن التعاون انتقل إلى مرحلة “الإنتاج المشترك” للتقنيات العسكرية،  وهو ما أكده وزير الدفاع الروسي في لقاءات سابقة بأن الشراكة العسكرية بلغت مستويات غير مسبوقة، كما تكشف بعض التقارير الدولية عن حصول إيران على مروحيات هجومية روسية حديثة مثل ميل 28 وكا 52 المتقدمة، والمصممة لتتفوق في بعض القدرات على المروحية الأمريكية الشهيرة أباتشي.. 

وتتمثل القدرة الروسية هنا في تزويد طهران بأنظمة دفاع جوي متطورة وطائرات مقاتلة، وهي خطوات وصفتها الخارجية الروسية بأنها “حق سيادي للدول لتأمين دفاعاتها”، بينما يرى مراقبون أنها تهدف لخلق توازن ردع يمنع وقوع مواجهة عسكرية شاملة في المنطقة، ولا يمنع سقوط طهران.

 

سياسياً واقتصادياً، تستثمر روسيا ثقلها في مجلس الأمن لعرقلة مساعي فرض عقوبات أممية جديدة، مستندة إلى تصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي شدد مراراً على أن “زمن الإملاءات الغربية قد ولى”، وأن موسكو وطهران تعملان على صياغة نظام عالمي “متعدد الأقطاب”. 

في الجانب الاقتصادي، بدأت ثمار الربط بين نظامي “مير” و”شتاب” المصرفيين في الظهور، كآلية حقيقية للالتفاف على نظام “سويفت”، وهو ما تعتبره القيادة الإيرانية “نصراً اقتصادياً” يعزز صمودها الجيوسياسي. 

ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول مدى استعداد روسيا للتضحية بمصالحها مع قوى إقليمية أخرى، مثل دول الخليج وإسرائيل، في سبيل حماية كاملة لطهران، خاصة في ظل تباين المصالح في بعض ملفات الشرق الأوسط.

 

قوة عظمى وحدود صارمة.. ما الذي يمكن أن تقدمه موسكو كقوة عظمى لحماية طهران؟

وفي استعراض للسيناريوهات المتوقعة، يبرز سيناريو “الدعم الاستراتيجي النشط” الذي تلتزم فيه موسكو بحماية أمن إيران القومي كجزء من أمنها الخاص؛ والنتائج المترتبة على هذا السيناريو تتمثل في تعزيز صمود النظام الإيراني عسكرياً وسياسياً، مما قد يؤدي إلى “تعادل استراتيجي” يحول دون الهزيمة، لكنه في الوقت ذاته يضع روسيا في مواجهة مباشرة مع العقوبات الغربية المضاعفة. 

 

أما السيناريو الثاني فيتمثل في “الدعم المقنن”، حيث تكتفي موسكو بتزويد طهران بالسلاح دون الانخراط في حمايتها عسكرياً في حال وقوع صراع مباشر؛ وتؤدي هذه الحالة إلى انكشاف القدرات الدفاعية الإيرانية أمام التكنولوجيا الغربية المتفوقة، مما قد يسفر عن “تآكل عسكري” يؤثر على نفوذ طهران الإقليمي، وهو ما حذر منه محللون في معهد “تشاتام هاوس” كونه قد ينهي دور إيران كـ “مصدّ جيوسياسي” لروسيا.

 

إن الاستنتاج غير المباشر من هذا الحراك يشير إلى أن “الإنقاذ” الروسي ليس صكاً على بياض، بل هو عملية محكومة بمعادلة “التكلفة والعائد” في الكرملين؛ فبينما تعلن موسكو رسمياً وقوفها إلى جانب طهران، تظل تحركاتها الميدانية مرتبطة بمدى تقدمها في الملف الأوكراني وعلاقتها مع واشنطن. 

وبالتالي، فإن الانتصار العسكري أو الهزيمة لإيران في أي مواجهة قادمة لن يعتمدا فقط على شجاعة قواتها، بل على مدى سرعة وصول “الإمداد النوعي” الروسي وما إذا كان سيصل في الوقت المناسب أو سيبقى حبيس الحسابات السياسية الكبرى، مما يترك مستقبل التحالف مفتوحاً على كافة الاحتمالات.

 

الحليف المتخاذل.. هل أصبحت إيران مجرد ورقة مقايضة في بازار الكرملين؟

يأتي هذا التقرير في سياق دخول “معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة” حيز التنفيذ في يناير 2026، وهي المعاهدة التي استغرق إعدادها سنوات وتمثل حجر الزاوية في العلاقات بين البلدين. وتاريخياً، انتقلت العلاقة من “البرود” في تسعينيات القرن الماضي إلى “التحالف العضوي” بعد عام 2022، حيث أصبحت طهران شريكاً تقنياً وعسكرياً لا غنى عنه لموسكو في ظل عزلتها الدولية.

 

تكمن قوة الموقف الروسي في قدرته على المناورة بـ “الورقة الإيرانية” لانتزاع تنازلات في جبهات أخرى؛ فالمساعدة الروسية لطهران غالباً ما تأتي كرد فعل على التصعيد الغربي ضد موسكو، مما يجعل من أمن إيران جزءاً من “لعبة الشطرنج” العالمية الكبرى التي يديرها بوتين.

 

حين تتراجع موسكو.. حلفاء روسيا يسقطون واحدًا تلو الآخر

يبقى سيناريو “الانكفاء” (التخلي الهادئ)، وهو نهج غالبا ما  تتبعه روسيا مع حلفائها الذين يواجهون خصما قوياً، ويتمثل في  اكتفاء روسيا بالتنديد في مجلس الأمن (كما فعلت في جلسة يناير 2026 ضد التدخل الأمريكي في فنزويلا.

 

ومن هنا يرى المراقبون أن اعتماد إيران على روسيا قد يكون “رهاناً خاسراً” إذا فضلت موسكو عقد صفقة “مقايضة” مع واشنطن (أوكرانيا مقابل إيران)، مما يسفرعسكرياً، عن  تفوقاً جوياً كاسحاً لإسرائيل/أمريكا، والذي سوف يؤدي لـ “شلل استراتيجي” لإيران وسقوط النظام في طهران إلى حين، وهو ما سيعد “هزيمة رمزية” للمعسكر الشرقي، والقضاء على حلفائه غربا وشرقا النظام تلو الآخر.

 

يكشف تكرار الموقف الروسي من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط؛ عن سردية أن موسكو شريك “تكتيكي” يبحث عن صفقات كبرى، وليس شريكاً “عقائدياً” يدافع عن حلفائه حتى النهاية، مما يترك طهران أمام خيارين: إما المواجهة المنفردة أو القبول بصفقة تتجاوزها.

الاخبار العاجلة