
بقلم: د. وجدي صادق
قد تظنّ، وأنت تقف مدافعاً بشراسة عن خيارك السياسي، أنّك تحمي قناعتك وتحفظ كرامتك، لكنّك في كثير من الأحيان لا تفعل سوى الدفاع عن أفكار لم تولد في عقلك، بل زُرعت فيه بصبرٍ طويل، وسُقيت بخطابات الخوف، وشُحنت بشعارات الولاء الأعمى، حتى غدت وكأنّها حقيقتك الخاصة.
تمرّ السنوات، وتتبدّل الوجوه، وتبقى النتيجة واحدة: شعبٌ منهك، وبرلمانٌ لا يشبهه، ونوابٌ صعدوا بأصوات الناس ثم أداروا ظهورهم لهم عند أول اختبار… المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في نائبٍ خان وعوده، ولا في زعيمٍ إستثمر في فقر الناس وقلقهم، بل في ناخبٍ قرّر أن يغفر قبل أن يُحاسب، وأن يبرّر قبل أن يسأل، وأن يعيد إنتخاب من خذله، وكأنّ الخذلان قدر لا خيار.
هكذا تتحوّل الديمقراطية من أداة تغيير إلى طقسٍ شكلي، يُستدعى فيه الشعب كل بضع سنوات ليمنح الشرعية نفسها لمن أهدرها، ثم يُطلب منه الصمت والصبر حتى الإستحقاق التالي. قبل أن تكرّر إختيارك، إسأل نفسك بصدق: أين كان من منحته صوتك حين إحتجت إليه؟ هل كان حاضراً في الدفاع عن حقوقك، أم غائباً خلف الإصطفافات والمصالح؟ هل استخدم موقعه ليكون صوتك داخل قبة البرلمان، أم جعلك مجرّد رقم في خطابه الإنتخابي؟ النائب الذي لا يكون وفيّاً لصوت ناخبيه لا يستحق فرصة ثانية، مهما كانت المبرّرات، ومهما ارتفعت الشعارات… الزعيم قد يمتلك المنبر، وقائد الميليشيا قد يمتلك القوة، لكن المواطن وحده يمتلك الشرعية.
وحين يفرّط بهذه الشرعية، طوعاً أو خوفاً أو تعصّباً، فهو لا يعاقب السياسي الفاشل، بل يكافئه. إنّ الدفاع عن من لم يؤدِّ واجبه ليس موقفاً مبدئياً، بل مشاركة غير مباشرة في إستمرار الفشل، وتمديد لعمر الأزمات التي يدفع ثمنها الناس وحدهم. لا تجعل صوتك فعل ولاء، بل فعل محاسبة. لا تنتخب لأنك إعتدت الإسم أو خفت البديل، فالإعتياد على الخطأ لا يصنع إستقراراً، بل يرسّخ الإنهيار.
هذه المرّة، لا تقف في صفّ من إعتلى قبة البرلمان ثم نسيك، بل قف في صفّ نفسك، وحقّك، ومستقبل أبنائك. فالأوطان لا تُبنى بالخطب، بل بالإختيار الواعي، وبشعب قرّر أخيراً ألّا يقع في الخطأ نفسه مرّة ثانية.▪︎
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
