كشفت التطورات الأخيرة في الملف اليمني عن وصول العلاقة بين الرياض وحليفها الأبرز في الجنوب، المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، إلى طريق مسدود أعاد إلى الأذهان وقائع سياسية مثيرة للجدل شهدتها العاصمة السعودية في سنوات سابقة.
ففي تطور لافت؛ أعلنت قيادة التحالف عن هروب رئيس المجلس “عيدروس الزبيدي” إلى وجهة مجهولة بعد استدعائه رسمياً، وهو ما رد عليه المجلس في عدن ببيان شديد اللهجة أكد فيه وجود “الزبيدي” بين قواته، معلناً في الوقت ذاته عن انقطاع الاتصال بوفده الرسمي الذي وصل إلى الرياض قبل ساعات.
هذا الغموض المحيط بمصير الوفد أثار موجة من المخاوف حول تعرض أعضائه لاحتجاز قسري لفرض تنازلات سياسية، في مشهد بات يكرر سيناريوهات دبلوماسية الغرف المغلقة التي طالت قادة ومسؤولين عرباً في فترات سابقة، مما يضع مصداقية مسار الحوار على المحك.
على الجانب العسكري، انتقل الصراع سريعاً من أروقة السياسة إلى لغة النار، حيث نفذ الطيران السعودي سلسلة غارات جوية مكثفة تجاوزت 15 ضربة استهدفت مواقع في محافظة الضالع، المسقط الرأس والمعقل العسكري للزبيدي.
ويمثل هذا التدخل الجوي تحولاً خطيرا في قواعد الاشتباك، إذ لم يعد القصف يستهدف خصوم التحالف التقليديين، بل طال شركاء الأمس، مما أدى لسقوط ضحايا مدنيين وزاد من حدة الاحتقان الشعبي.
يأتي هذا التصعيد العسكري رداً على التحركات الميدانية الواسعة التي نفذتها قوات الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة، وهي المناطق التي تعتبرها السعودية عمقاً استراتيجياً لا يقبل القسمة، مما دفع الرياض لاستخدام ثقلها الجوي لتقليم أظافر الفصائل الجنوبية وإرغامها على التراجع عن طموحات السيطرة على منابع النفط والمنافذ الحدودية.
تشير تلميحات الانتقالي إلى اتهام المملكة باستخدام استراتيجية “عزل القيادة” في عدن من خلال “تغييب الوفد المفاوض” في الرياض، مما يعكس رغبة سعودية في تجريد الانتقالي من أوراقه التفاوضية دفعة واحدة، ووضعه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع الكامل للترتيبات السعودية الجديدة التي تضمن بقاء حضرموت والمهرة خارج نفوذهم، أو مواجهة حرب استنزاف جوية وميدانية مباشرة.
هذا المنعطف يضع مستقبل الجنوب اليمني في مهب الريح، حيث بات التفكك يضرب بنية المعسكر المناهض للحوثيين، ويحول الحلفاء إلى خصوم في مواجهة “كسر عظم” قد تؤدي إلى انهيار كامل لمجلس القيادة الرئاسي وتحول المحافظات الجنوبية إلى ساحة صراع دولي وإقليمي مفتوح.
كما تشير التوقعات من هذا التصعيد إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الملاحة في بحر العرب واستقرار المناطق النفطية، إذ من المرجح أن ترد القوات الموالية للانتقالي بتصعيد ميداني يهدف إلى محاصرة الوجود السعودي في عدن والموانئ الرئيسية رداً على ما يصفونه بـ “اختطاف” وفدهم السياسي.
ومع استمرار انقطاع الاتصال بوفد الرياض، يتزايد الضغط الشعبي والحقوقي الذي قد يدفع قوى دولية للتدخل لضمان سلامة الشخصيات السياسية المحتجزة، مما يحول الأزمة ويخرجها من عباءة التحالف العربي إلى أروقة المحاكم والهيئات الدولية، في وقت يبدو فيه أن شرعية الحلفاء قد تبخرت تحت وطأة الغارات الجوية وأسوار القصور الموصدة في الرياض.













