في ظل المتغيرات السياسية والأمنية التي تشهدها الساحة العراقية، وتطورات الأوضاع في المنطقة، تؤكد الحكومة العراقية التزامها بخارطة طريق واضحة تقوم على إنهاء مهام التحالف الدولي والانتقال إلى علاقات ثنائية قائمة على التدريب والمشورة، بما ينسجم مع سيادة البلاد واستقرارها.
ومع إعلان اللجنة العسكرية العليا في العراق، في 18 يناير الجاري، اكتمال عملية إخلاء القواعد العسكرية والمقرات القيادية لمستشاري التحالف الدولي، دخل ملف الوجود العسكري الأجنبي مرحلة جديدة، فتحت الباب أمام نقاش واسع بين الخبراء والمختصين حول تداعيات الانسحاب على الأمن الداخلي والتوازنات السياسية.
تباين في الرؤى
وفي تصريحات لوكالة الأنباء القطرية ، رأى الخبير الأمني ماجد الساري، المستشار السابق في وزارة الدفاع العراقية، أن انسحاب قوات التحالف قد يؤدي إلى زيادة الصراعات الداخلية، معتبراً أن ذلك يمثل تحدياً كبيراً للحكومة في مواجهة التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية. وحذّر الساري من أن الانسحاب قد “يطلق يد بعض الجماعات المسلحة لتصعيد هجماتها، بما يهدد حياة المدنيين ويعرقل جهود البناء والتنمية”.
في المقابل، اعتبر الخبير السياسي رحيم الشمري أن الانسحاب قد يعزز موقف الحكومة العراقية في المفاوضات المتعلقة بنزع سلاح الجماعات المسلحة. وأوضح أن بعض هذه الجماعات كانت تتذرع بوجود القوات الأجنبية لتبرير الاحتفاظ بأسلحتها، مؤكداً أن خروج هذه القوات يسقط هذا المبرر ويفتح الباب أمام خطوات سياسية وأمنية جديدة.
أما الدكتور حسين علاوي، المستشار الأمني لرئيس الوزراء العراقي، فوصف الانسحاب الأمريكي بأنه “أمر طبيعي” يأتي في إطار تنفيذ الاتفاقات والتطورات الأمنية على الأرض، مشدداً على جهود الحكومة في إدارة الحدود والحفاظ على الاستقرار في المناطق المحررة والمناطق الأمنية.
تحذيرات من فراغ استراتيجي
من جهته، حذّر السياسي العراقي مثال الآلوسي من أن انسحاب القوات الأمريكية جعل العراق “دولة مكشوفة استراتيجياً”، وألقى على عاتق الحكومة مسؤولية أكبر في حماية السيادة الوطنية. واعتبر أن الانسحاب قلل من مسؤولية واشنطن المباشرة في الدفاع عن العراق، ما يستوجب من بغداد التعامل بجدية مع التحذيرات والمطالب الأمريكية، وتسريع تعزيز علاقاتها مع العالم الحر والإدارة الأمريكية، في ظل حالة عدم الاستقرار العسكري في المنطقة.
وفي السياق نفسه، رأى الباحث في الشأن السياسي سلام قاسم الساعدي أن توقيت إخلاء القواعد العسكرية الأمريكية لم يكن مناسباً، لا سيما أن العراق يشهد انقساماً سياسياً حاداً في ظل وجود حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات. وأضاف أن انسداد الأفق السياسي أمام تشكيل حكومة جديدة قد ينقل الصراع إلى داخل الكتل السياسية، ويدخل البلاد في أزمة جديدة تخلق “مناطق رخوة” للاختراقات الأمنية، على غرار ما حدث بعد الانسحاب الأمريكي الأول عام 2011.
موقف الحكومة والجيش
في المقابل، أكد صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أن القوات المسلحة بمختلف فروعها تمتلك القدرات الكافية لتأمين البلاد، موضحاً أن التعاون المستقبلي مع الولايات المتحدة سيركز على التدريب وشراء المعدات، والمناورات المشتركة، والتنسيق العملياتي بموجب الاتفاقيات الثنائية.
وأشار النعمان إلى أنه رغم انتهاء مهمة القوات الأمريكية على الأراضي العراقية، فإن عملياتها ضد الجماعات المسلحة لا تزال مستمرة، ولم يستبعد إطلاق عمليات أمريكية – عراقية مشتركة إذا دعت الحاجة، وفق ما نصّت عليه اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين بغداد وواشنطن عام 2008.
التحالف الدولي بالأرقام
وبحسب إحصائيات رسمية، يبلغ عدد العسكريين الأمريكيين في العراق نحو 2500 جندي ضمن التحالف الدولي، موزعين على ثلاثة مواقع رئيسية هي: قاعدة عين الأسد في الأنبار، وقاعدة حرير في أربيل، ومعسكر فيكتوريا الملاصق لمطار بغداد الدولي. ولا تقتصر قوات التحالف على الأمريكيين، إذ تضم أيضاً قوات فرنسية وأسترالية وبريطانية، إلى جانب قوات تعمل ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العراق.
مرحلة جديدة مفتوحة على الاحتمالات
ومع الانتقال إلى العلاقة الأمنية الثنائية، تركز بغداد على تفعيل مذكرات التفاهم للتعاون العسكري وتطوير قدرات القوات المسلحة في مجالات التجهيز والتسليح والتدريب والتمارين والمناورات والعمليات المشتركة، لضمان ديمومة الجاهزية ومواصلة مكافحة تنظيم “داعش”.
وبين التفاؤل الرسمي والقلق الذي يعبّر عنه بعض الخبراء، يبقى مستقبل الأمن في العراق مرتبطاً بقدرة الدولة على إدارة المرحلة الانتقالية، واحتواء الانقسامات السياسية، ومنع أي فراغ أمني قد تستغله الجماعات المسلحة أو الأطراف الإقليمية في مرحلة توصف بأنها من الأكثر حساسية منذ سنوات.













