
بقلم: لواء مصطفى زكريا
لم يعد تقييم السياسات الدولية قائمًا على النوايا أو حجم الضجيج المصاحب لها، بل على العائد الصافي من استخدام القوة؛ سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. ومن هذا المنظور تحديدًا، تبدو حصيلة عام من سياسات دونالد ترامب مثالًا واضحًا على مفارقة لافتة: فائض أدوات، مقابل نتائج محدودة.
دخل ترامب ولايته رافعًا شعار الحسم، معتمدًا على مزيج من التهديد المباشر، والعقوبات القصوى، واستعراض القوة العسكرية. غير أن المشهد العملي كشف أن القوة حين تُستخدم بلا تسوية، تتحول إلى ضغط مؤقت لا إلى مكسب دائم. ففي ملف غزة، لم تنجح الضغوط في فرض تهجير، ولم تُفتح الأبواب أمام حلول قسرية تجاه مصر أو الأردن. بل على العكس، اصطدمت هذه المقاربات بجدار السيادة والأمن القومي، وهو جدار لم يعد قابلًا للاختراق بالابتزاز.
وعلى المسار ذاته، لم تُسفر محاولات نزع سلاح حماس أو إخراجها من القطاع عن نتيجة حاسمة. ذلك لأن التنظيمات المتجذّرة اجتماعيًا لا تُلغى بالضغط العسكري وحده، بل تُدار ضمن معادلات أوسع تشمل السياسة والاقتصاد والبيئة الإقليمية. وهنا تحديدًا ظهر الخلل بين أداة تُلوّح بالقوة وواقع يفرض حلولًا مركّبة.
في الإقليم الأوسع، بدا أن طهران استوعبت الضغوط والضربات دون أن تغيّر جوهر سياساتها. لم تتراجع عن تخصيب اليورانيوم، ولم تدخل مفاوضات على برنامجها الصاروخي بشروط أمريكية. الرسالة كانت واضحة: الردع لم يعد تلقائيًا، والضربة لا تُنتج الطاعة بالضرورة، خاصة في عالم تعلّم إدارة الصدمات بدلًا من الخضوع لها.

أما في شرق أوروبا، فقد انكشفت حدود القدرة الأمريكية على فرض الوقائع. لم تنسحب روسيا من الأراضي الأوكرانية، وتحولت الأزمة إلى حرب استنزاف طويلة، ارتدت كلفتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وأثقلت كاهل الحلفاء قبل الخصوم. وفي شرق آسيا، لم تُغيّر الصين سياساتها التجارية رغم التهديد برفع الرسوم، بل أعادت تموضعها، ووسّعت بدائلها، وامتصّت الصدمة دون انهيار.
حتى في أمريكا اللاتينية، حيث جرت واحدة من أكثر العمليات غرابة، لم يُسقط خطف رئيس فنزويلا نظامه، ولم يُحدث التحول المنشود. كان المشهد صادمًا في رمزيته: قدرة تكتيكية لافتة، وعجز استراتيجي واضح.
الخلاصة أن عامًا من السياسات الصدامية كشف عن معادلة جديدة في النظام الدولي. لم تعد الهيمنة تُقاس بعلو الصوت، ولا بعدد حاملات الطائرات، بل بقدرة الدولة على تحويل القوة إلى قبول، والضغط إلى تسوية، والتهديد إلى استقرار. وحين يغيب هذا التحويل، يصبح العائد محدودًا مهما بلغت الكلفة.
وعلى ضوء ما سبق،
أترك لك – صديقي القارئ – مساحة التفكير والحكم:
هل يكفي امتلاك القوة في عالم تغيّرت موازينه،
أم أن إدارة القوة باتت أهم من امتلاكها ؟
