حين تنفلت السلطة والثروة

3 فبراير 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

دائما ً ما يراودني سؤال بسيط في ظاهره، لكنه مُربِك في جوهره:

إذا كان الإنسان يمتلك سلطة واسعة، أو ثروة لا تنضب، أو قدرة على الوصول إلى كل ما يشاء دون عناء؛ فما الذي يدفعه للسقوط في مسارات منحرفة مقززة، لا تضيف له متعة حقيقية، بل تدمّر صورته ومستقبله؟

ولماذا يختار الطريق الأكثر ظلمة، بينما كل الطرق “المباحة” مفتوحة أمامه بلا قيود؟

قضية جيفري إبستين لم تكن مجرد فضيحة عابرة، ولا حكاية انحراف فردي كما حاول البعض اختزالها؛ بل كانت لحظة كاشفة نادرة نرى فيها الوجه العاري للإنسان، حين يجتمع المال بلا حدود، والنفوذ بلا مساءلة ، والحماية التي تُنتج وهم التفوق على القانون وعلى البشر.

ما انكشف في تلك القضية لم يكن استثناء ً، بل نسقا ً يعاود الظهور كلما تحررت السلطة من القيود.

وفي تلك اللحظة، لا يسقط القانون وحده؛ بل تتهاوى إنسانية الإنسان نفسها، وعلم النفس العصبي يقدّم تفسيرا ً بالغ الأهمية لهذه الظاهرة بأن الدماغ البشري يعتاد أي متعة؛ تلك قاعدة تحكم الجميع دون استثناء.
السيارة الجديدة، البيت الفاخر، السفر ومظاهر الحياه المترفه، كلها تشعل الدوبامين في البداية، ثم تفقد بريقها مع الوقت.

لكن السؤال الأخطر: ماذا يحدث حين يصل الإنسان إلى مرحلة التشبع الكامل حين يكون قد امتلك كل ما يمكن امتلاكه، وجرّب كل ما يمكن تجربته؟

هنا تظهر حالة يصفها بعض الباحثين بـ”خمول المتعة السلطوية”، حيث تفقد المحفزات الطبيعية قدرتها على التأثير، ويتوقف الدماغ عن الاستجابة للأشياء المألوفة.

وعند هذه النقطة لا يبدأ البحث عن اللذة، بل عن الصدمة؛ بإقتحام المحظور، وعن تجاوز آخر خط أحمر متبق ٍ.
في هذا السياق، لا يكون السلوك الإجرامي بحثا ً عن شهوة، بل سعيا ً وراء ذروة شعورية زائفة، قائمة على الإحساس بالتفوّق المطلق.

على القانون، وعلى المجتمع، وعلى القيم نفسها .

كأن الفاعل يهمس لنفسه: “أنا خارج الحساب وخارج الحدود”.

ومن هنا، لا تكون الضحية مصادفة ً أبدا ً.. دائما ً ما تكون الحلقة الأضعف: طفل، أو مستضعف، أو إنسان بلا حماية.
ليس لأنهم موضوع رغبة، بل لأن نزع إنسانيتهم يمنح الفاعل وهما ً بالسيطرة الكاملة.

الضحية تتحول في نظره إلى “شيء”، وتُختزل إلى أداة تُستخدم لإشباع إرادة القوة لا الغريزة.
وهذا ما يصفه علماء النفس بوضوح: “نزع الإنسانية عن الآخر”.

المفارقة اللافتة أن هذا المعنى العميق ورد في القرآن ببلاغة موجزة، لكنها حاسمة:
“وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَر ٍ مَّا يَشَاءُ”.

فالطغيان لا يولد من الفقر، بل من لحظة الاستغناء.

ومن شعور الإنسان بأنه لم يعد محتاجا ً لأحد، ولا خاضعا ً لشيء.

ويؤكد ذلك قوله تعالى:
“كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ”.
نحن لا نتحدث هنا عن حالات فردية معزولة، ولا عن انحرافات استثنائية.
نحن أمام طبيعة بشرية، إذا تُركت بلا ضوابط،تتحول إلى كيان مفترس.

الدين، والقانون، والحدود الأخلاقية ليست قيودا ً تخنق الإنسان، بل حواجز أمان تحميه من نفسه قبل أن تحمي المجتمع منه.

فالإنسان، حين يتوهّم أنه كائن مُتعال ٍ لا يُسأل ولا يُحاسب، لا يرتقي؛ بل يفقد توازنه الداخلي.
ومع هذا الوهم، تبدأ النار من داخله قبل أن تمتدّ إلى غيره، وتنتهي الرحلة دائما ً بالسقوط إلى درك ٍ سفلي ٍ عميق.

الاخبار العاجلة