
بقلم: لواء مصطفى زكريا
لم يكن اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي حدثا ً صادما ً بالمعنى السياسي، بقدر ما كان نتيجة متوقعة لمسار طويل من سوء إدارة اللحظة.
فالسياسة خصوصا ً في دول ما بعد الانهيار لا تُقاس بالنوايا ولا بالإرث؛ بل بالقدرة على قراءة التوقيت، واختيار الموقع الصحيح داخل الصراع أو خارجه.
منذ سقوط الدولة الليبية، لم يعد الداخل فضاءا ً سياسيا ً بالمعنى التقليدي؛ بل ساحة مفتوحة تتحكم فيها الميليشيات، وتتشابك فوقها حسابات إقليمية ودولية، ويتراجع فيها أي مفهوم للحماية المؤسسية .. في مثل هذا السياق، لا يكفي أن تمتلك اسما ً ثقيلا ً أو حضورا ً رمزيا ً؛ بل قد يصبح الاسم ذاته عبئا ً إن لم تحمه معادلة قوة مكتملة.
الخطأ لم يكن في الطموح السياسي بل في الرهان على البقاء داخل مشهد لم ينضج بعد ليحمي أحدا ً، فالبقاء داخل ليبيا دون ظهير أمني منظم، ودون تحالف داخلي واضح، ودون غطاء سياسي خارجي قادر على الردع، لم يكن موقفا ً شجاعا ً، بل مقامرة طويلة النفس خاسرة بطبيعتها.
في تجارب الدول المفككة؛ لم ينجح الداخل في صناعة الزعامة وحده، بل قد يتحول إلى فخ استنزاف، والخروج المؤقت – لو تم في توقيت مبكر – لم يكن ليُفهم كتنازل أو هروب، بل كإعادة تموضع سياسي، تحفظ الاسم وتمنحه فرصة العودة بشروط أفضل.
العودة الناجحة في البيئة الليبية المعقدة لا تُبنى على الإرث ولا على الحنين الشعبي، بل على معادلة صلبة تعتمد علي حماية أمنية فعلية، وتفاهم إقليمي واضح، وقبول دولي – حتي لو جاء صامتا ً.
فغياب أي ضلع من هذه الأضلاع يترك صاحبه مكشوفا ً، مهما طال انتظاره.
هنا يمكن فهم ما جرى باعتباره فشلا ً في حسم الموقع، لا خروج كامل بشروط تحفظ المستقبل، ولا دخول مكتمل الأدوات يفرض الحضور.
والوقوف طويلا ً في المنتصف، في السياسة، غالبا ًما يكون أخطر الخيارات.
ولعل المقارنة الأوضح على ذلك – بعد استيعاب الحدث الليبي – تأتي من تجربة ربما تكون مختلفة في السياق ولكن متشابهة في الجوهر.
بعد سقوط نظام الشاه في إيران، وجد نجله رضا بهلوي نفسه أمام موجة شعبية جارفة، ونظام جديد يتمتع بزخم داخلي ودعم تنظيمي لا يمكن مجابهته؛ في تلك اللحظة، لم يختر المواجهة، ولم يحاول استدعاء الإرث في غير أوانه، بل اختار الاختفاء السياسي الكامل.
فلم يظهر كمعارض يومي، ولم يستهلك اسمه في صراعات عبثية، بل ترك الزمن يعيد تشكيل الشروط.
ولهذا، وبعد عقود يعود اسمه اليوم إلى التداول – ولو بشكل ٍ محدود غير معلن – ليس بالضرورة كمرشح للحكم، بل كإسم محفوظ لم يُستنزف، قد يُستدعى عند تغيّر الظرف الدولي مع الحديث عن إنهاء حقبة سياسية كاملة، لا عن شخص بعينه.
المغزى هنا ليس في المقارنة بين الأشخاص أو السياقات، بل في القاعدة السياسية التي تتكرر بأن الاختفاء المؤقت أحيانا ً قد يكون أذكى أشكال البقاء، وأحيانا ًأخري يكون البقاء داخل المشهد، دون أدواته، أقصر الطرق إلى النهاية.
في السياسة، لا يُحاسَب القادة فقط على ما فعلوه، بل على اللحظة التي اختاروا فيها البقاء أو الرحيل.
