من الميدان إلى البرلمان.. الحريري ينهي “استراحة المحارب” ويعود إلى المشهد السياسي

تيار

14 فبراير 2026آخر تحديث :
من الميدان إلى البرلمان.. الحريري ينهي “استراحة المحارب” ويعود إلى المشهد السياسي
تقرير: فاطمة خليفة

في خطاب مفصلي ألقاه اليوم السبت 14 فبراير 2026، من أمام ضريح والده في وسط بيروت، أعلن رئيس وزراء لبنان الأسبق “سعد الحريري” بشكل شبه رسمي عودة تيار “المستقبل” إلى المشهد السياسي اللبناني، منهياً بذلك أربع سنوات من الاعتكاف السياسي الذي بدأه في عام 2022.

 

وسط حشود شعبية غصت بها ساحة الشهداء في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال والده رفيق الحريري، أطلق الحريري جملة من المواقف السياسية التي أعادت خلط الأوراق في الساحة اللبنانية، والتي كانت بمثابة إعلان عن طي صفحة “الاعتكاف السياسي” الذي فرضه على نفسه وعلى تيار المستقبل منذ أربع سنوات.

 

في مشهد أعاد للأذهان زخم التحركات الشعبية الكبرى، وجه الحريري رسائل قوية مبطنة لمن حاول “إقفال مدرسة الحريري” على حد وصفه، قائلاً: (تاريخنا له مستقبل”، وأن “الحريرية الوطنية كانت في استراحة محارب ولم تنكسر).

 

كما أكد في خطابه على أن مدرسة رفيق الحريري مستمرة، مشددا على ضرورة تطبيق “اتفاق الطائف” كاملاً، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط.

 

وأضاف الحريري أمام الحشود الشعبية الغفيرة التي توافدت من مختلف المناطق اللبنانية، أن قراره السابق بالتعليق لم يكن استسلاماً بل كان وقفة مراجعة تفرضها المصلحة الوطنية والظروف الإقليمية المعقدة التي أحاطت بلبنان آنذاك.

 

وفيما يخص الانتخابات النيابية المقبلة لم يكن تصريح الحريري واضحا بما يكفي، بل اعتلته المواربة والغموض، فلم يقل صراحة أنه سيترشح للانتخابات المقبلة ولكنه قال: (ستكون أصوات تيار المستقبل حاضرة في الانتخابات، معتبراً أن أصوات مؤيديه ستعد وتسمع).

 

ولكن إصرار الحريري على عبارة “تاريخنا له مستقبل” أمام حشوده اليوم، يشير إلى أن الرهان على غياب “الحريرية” قد انتهى، وأن المرحلة القادمة لن تكون لإدارة الأزمة فحسب، بل لإعادة تعريف دور المكون السني في معادلة الحكم الجديدة، من خلال الانتخابات.

 

الحريري بين غموض التصريح ووعود التلميح

أثار خطاب الحريري اليوم موجة من ردود الأفعال المتباينة؛ فبينما غصت شوارع بيروت بالاحتفالات الشعبية العفوية التي ترى في عودته “بوابة أمل” للخروج من النفق المظلم رغم غموض التصريحات، مكتفين بالوعود والأماني، في انتظار تحديد موعد الانتخابات الذي تساؤول عنه الحريري في خطابه.

 

وفي ظل غياب “الإعلان الصريح” والنهائي عن العودة الجسدية والسياسية الكاملة إلى البلاد، والاكتفاء بالتلميحات، سادت حالة من الترقب المصحوب بالحذر لدى اللبنانيين، فيما اعتبر كثيرين أن الخطاب غلب عليه طابع الوعود العاطفية والأماني المرجأة، مما فتح الباب أمام تأويلات متباينة، كل حسب أهوائه السياسية وتوقعاته لما ستؤول إليه المرحلة القادمة.

 

تأتي عودة الحريري في توقيت شديد الحساسية؛ فلبنان يحاول التعافي من تداعيات النزاعات العسكرية التي شهدها عام 2024، وفي ظل ضغوط دولية مكثفة لتنفيذ الإصلاحات وحصر السلاح، في محاولة لتدشين “جمهورية جديدة” تكون فيها مرجعية الدولة هي العنوان الوحيد، وهو التحدي الأكبر الذي سيواجه الحريري في رحلة عودته المحفوفة بالألغام والآمال في آن واحد.

 

فالخلفية التي انطلق منها الخطاب لا تنفصل عن التحولات الإقليمية التي باتت تميل نحو التهدئة وإعادة ترتيب البيت اللبناني، مما جعل من عودته ضرورة لاحتواء الفراغ الذي استغلته قوى سياسية أخرى، لم تستطع أن تحقق آمال الجمهورية الجديدة المنشودة.

 

خريف الاعتكاف ينجلي: الحريري يعلن العودة للسياسة بظهير شعبي 

تكتسب هذه العودة أهميتها من الخلفية الدرامية لمسيرة الحريري السياسية؛ فالرجل الذي ورث تركة “الحريرية الوطنية” المثقلة بالتحديات عقب اغتيال والده عام 2005، قاد لسنوات معسكر “14 آذار” في مواجهة الانقسامات الحادة، لماذا تخلى فجأة عن مسؤولياته وترك ورائه بلاده تئن؟

 

لا يمكن قراءة هذا التحول المفصلي دون العودة إلى الخلفية السياسية العميقة التي دفعت الحريري للاعتزال في الرابع والعشرين من يناير2022؛ ففي ذلك الوقت، أطل الحريري في خطاب مؤثر أعلن فيه تعليق عمله السياسي، مبرراً خطوته حينها، بعدم وجود فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الإيراني.

 

قرار الحريري آنذاك أصاب أنصاره بالصدمة والاحباط، معتبرين أن الضغوط المتزايدة داخليا حيث الانسداد السياسي والاقتصادي الذي بلغ ذروته في انفجار مرفأ بيروت والأزمة المالية غير المسبوقة، وسيطرة حزب الله؛ هي السبب الحقيقي للابتعاد كما أبلغهم زعيمهم.

 

ولكن كان لخصومه رأيا آخر؛ معتبرين أن الضغوط الخارجية هي الدافع الأكبر وربما الجبري وراء تركه العمل السياسي، إذ أن تحالفات الحريري الخارجية تعرضت لعاصفة كبيرة في إشارة إلى توتر العلاقات بينه وبين المملكة العربية السعودية، مما أحدث فراغاً هائلاً في التمثيل السني وبعثر أوراق اللعبة السياسية اللبنانية لسنوات.

 

وبالتالي كان يرى مراقبون أن السبب الحقيقي لترك الحريري لبنان، هو سبب خارجي يتمثل في صراع المحاور الإقليمية الذي أوقع لبنان تحت وطأة التجاذبات، مما دفع الحريري إلى تعليق عمله السياسي، لتجنب الانخراط في حرب أهلية.

 

هذا القرار الذي اتخذه وريث “الحريرية الوطنية” الذي قاد البلاد في محطات صعبة منذ عام 2005، أدى إلى حالة من “اليتم السياسي” في انتخابات 2022 التي شهدت تشتتاً كبيراً في الأصوات، ما أضعف دور السنة، من خلال الفراغ السني والتشتت في التمثيل السياسي لهذه الطائفة الكبرى، مما أخل بموازين القوى التقليدية.

 

وبالتالي فالعودة اليوم ليست مجرد استعادة لمقاعد نيابية، بل هي محاولة لاستعادة التوازن السياسي والطائفي والوطني في بلد يحكمه التقسيم الطائفي في النظام الانتخابي اللبناني. 

 

الحلفاء ينتظرون والخصوم يترقبون

الخطاب الحريري ربما تسبب في هزة بالأوساط السياسية؛ حيث رحبت القوى السيادية بعودة “صوت الاعتدال”، بينما سادت حالة من الترقب لدى خصومه الذين يخشون من إعادة تشكيل جبهة سياسية عريضة تحت عباءة الحريري. 

 

على الصعيد الشعبي شهدت ساحة الشهداء احتشاد الآلاف من مناصري التيار الذين رفعوا شعارات تطالب بعودته الدائمة لإنقاذ البلاد من الأزمة الاقتصادية.

 

أما سياسياً أبدى رئيس مجلس النواب نبيه بري تمسكه بإجراء الانتخابات في موعدها، معتبراً أن حضور كافة المكونات يعزز الشرعية الوطنية.

 

وعلى المستوى الخارجي، يتوقع أن تفتح هذه العودة الأبواب مجدداً أمام حراك دبلوماسي عربي ودولي مكثف تجاه بيروت، حيث يمثل الحريري “الضمانة” لتنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية بالنسبة للكثير من العواصم وخاصة أبو ظبي التي تحتضن الحريري حاليا؛ فهل سيشهد الحريري دعما إماراتيا تعويضا عن الجفاء السعودي؟ 

 

هل يعودالحريري إلى البرلمان على حصانه الأبيض؟

يبدو أن لبنان يتجه نحو معركة انتخابية حامية الوطيس، قد تؤدي إما إلى استعادة تيار المستقبل لكتلته الوازنة وبالتالي فرض شروطه في اختيار رئيس الحكومة العتيد، أو إلى اصطدام سياسي مباشر مع القوى الرافضة للمساس بسلاح المقاومة، إذا ما أصر الحريري على جعل “سلاح الدولة” عنواناً لمعركته.

 

تباينت القراءات بين ترحيب شعبي واسع رأى في العودة “قشة نجاة” لمكون أساسي في البلاد، وبين ترقب حذر من القوى المنافسة التي تخشى إعادة تشكل توازنات ما قبل 2022.

 

وبناءً على معطيات الخطاب، تبرز سيناريوهات عدة؛ أبرزها قدرة “المستقبل” على توحيد الشارع السني مجدداً مما يجعله الرقم الصعب في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة القادمين، أو الدخول في مواجهة سياسية صلبة مع القوى التي حاولت وراثة نفوذه خلال فترة غيابه.

 

وفي حال خوض الحريري للانتخابات يقف لبنان أم مصير انتخابي تنتظره ثلاث سيناريوهات، إما أن ينجح تيار المستقبل في حصد كتلة نيابية وازنة تعيد رسم خريطة التحالفات، مما يسهل عملية اختيار رئيس للوزراء بظهير شعبي قوي، وهو السيناريو الأرجح

 

أما السيناريو الأكثر تشاؤما فهو يتمثل في أن تؤدي العودة إلى صدام سياسي متجدد مع القوى التي ترفض حصر السلاح (حزب الله وحلفاؤه)، خاصة مع تشديد الحريري على “اتفاق الطائف”.

 

ويبقى أخيرا السيناريو الشبيه بالوضع الحالي وهو أن يستمر الحريري في دور “الموجه” من الخارج أو عبر الكتلة دون تولي رئاسة الحكومة مباشرة، بانتظار نضوج تسوية إقليمية شاملة.

 

الاستنتاج غير المباشر الذي يفرضه مشهد اليوم هو أن الحريري أثبت أن غيابه القسري كان عبئاً على النظام السياسي أكثر منه حلاً، وأن عودته اليوم بمثابة إعلان رسمي بأن أي تسوية قادمة للبنان لا يمكن أن تمر دون “المفتاح السني” الذي استعاده صاحبه من عتبة ضريح والده.

 

يشير هذا التحول إلى أن الحريري يراهن اليوم على “تغير الظروف” التي دفعته للاعتزال؛ فلبنان الخارج من نزاعات 2024 يبحث عن مراكز استقرار سياسي قادرة على مخاطبة المجتمع الدولي. 

 

وفي نهاية المطاف، فإن إصرار الحريري على مخاطبة جمهوره بلغة “المستقبل الذي بدأ الآن” يوحي بأن الرهان على غياب تأثيره قد سقط، وأن العودة واقعية وليست أمنية.

الاخبار العاجلة