تحوّل الجنوب في ليبيا خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين معسكري الشرق والغرب، في ظل استمرار الانقسام الحكومي والصراع على النفوذ منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وتعزز هذا التنافس بعد قرار رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة تعيين سالم الزادمة نائباً له الأسبوع الماضي، وذلك بعد أشهر من إقالته من منصبه نائباً لرئيس حكومة «الاستقرار» المكلفة من مجلس النواب.
ويرى سياسيون أن الخطوة تعكس «سيولة التحالفات السياسية» بين المعسكرين المتنافسين، وتأتي ضمن إعادة تموضع سياسي وأمني للقوى الليبية في الجنوب، الذي يمتد على الحدود مع دول الجوار ويزخر بموارد استراتيجية.
وفي هذا السياق، قالت العضوة السابقة في المؤتمر الوطني العام نادية الراشد إن ما يحدث في الجنوب «جزء من إعادة رسم موازين القوى بين الشرق والغرب تحسباً لأي مسار تفاوضي مقبل لتقاسم السلطة».
كما تشير تقديرات صادرة عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية إلى أن التطورات تأتي في إطار صراع أوسع للسيطرة على الإقليم الجنوبي واستثماره كورقة تفاوضية في أي تسوية سياسية مستقبلية، في ظل وجود قيادات مرتبطة بمعسكر الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.
وتعد عائلة الزادمة من العائلات المؤثرة في الجنوب، إذ تنتمي إلى قبيلة «أولاد سليمان»، التي
ارتبطت بتحالفات سابقة مع قوات حفتر. ويبرز إلى جانب سالم الزادمة شقيقاه حسن، القيادي العسكري السابق في إحدى كتائب الجيش الوطني، ورضوان، وهو أحد القيادات القبلية في المنطقة.
تصعيد عسكري ونفوذ متنافس
ولا ينفصل التحول السياسي عن التطورات العسكرية، إذ تصاعد نشاط ما يعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة في مواجهة قوات الجيش الوطني، خصوصاً بعد هجمات متزامنة استهدفت ثلاث نقاط حدودية على الحدود مع النيجر نهاية يناير الماضي.
ومع استمرار المواجهات، يتحدث الطرفان عن تحقيق تقدم في بعض المناطق، بينما تشير تقارير إلى دعم أطراف سياسية وإعلامية في غرب ليبيا لقائد «غرفة عمليات الجنوب» محمد ودرقو، وهو دعم لم تنفه حكومة الدبيبة.
ويرى الباحث العسكري محمد الترهوني أن ظهور هذه الغرفة يعكس محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي أكثر من كونه جهداً لترسيخ الاستقرار، مشيراً إلى معلومات عن دعم أطراف في غرب البلاد لهذا التحرك المسلح.
من جهته، قال رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية أشرف عبد الله إن التشكيلات المسلحة في الجنوب تحركها حسابات مصلحية أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي واضح، موضحاً أن ولاءاتها تتغير وفق ميزان القوة والتمويل.
أهمية اقتصادية وجيوسياسية
ويرى مراقبون أن السيطرة على الجنوب تمنح ثقلاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً، إذ يضم حقولاً نفطية كبرى مثل حقل الشرارة وحقل الفيل، إضافة إلى ثروات معدنية مهمة مثل الذهب. ويعد حقل الشرارة الأكبر في البلاد، بإنتاج يصل إلى نحو 240 ألف برميل يومياً، أي ما يقارب ربع إنتاج النفط الليبي.
كما تتقاطع المنافسة الداخلية مع تحولات إقليمية ودولية، إذ تقول نادية الراشد إن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران والتنافس الدولي على النفوذ يجعل من الجنوب الليبي منطقة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء.
ويشير الباحث السياسي خالد الحجازي إلى أن أهمية الجنوب تعود أيضاً إلى موقعه الجيوسياسي ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، إلى جانب الاضطرابات في دول الجوار مثل تشاد والسودان، ما يزيد من اهتمام القوى الإقليمية والدولية بهذه المنطقة.












