كوارث الطبيعة وكوارث السياسة

آخر تحديث : الأحد 17 سبتمبر 2023 - 1:52 صباحًا
بقلم: حاتم عبد القادر
بقلم: حاتم عبد القادر

في حياة الشعوب والدول عديد من الكوارث والأزمات التي تترك أثرا لا يمكن أن ينسى. وفي الكوارث والأزمات دروس مستفادة، حتى لا نكرر نفس الأخطاء التي تسببت في تلك الأزمات والكوارث.

وليست بالضرورة أن تكون الكوارث أو الأزمات بفعل الطبيعة، فقط، كالأعاصير والزلازل والسيول والفيضانات والنوات .. إلى آخره من تلك الظواهر التي تحصد الأرواح وتصيب آخرين بإعاقات مؤقتة أو دائمة وتهدم البيوت وتمحو آثار مدن بأكملها.. ولكن هناك أزمات وكوارث بفعل البشر نتيجة السياسات الخاطئة التي يرتكبها الأفراد من ذوي السلطة أو الحكومات أو أحزاب سياسية أو جماعات وتنظيمات معارضة، وهذه هي الكوارث والأزمات السياسية التي يدفع ثمنها في النهاية المواطن وحده دون أي ذنب منه.

ما حدث في المغرب بسبب الزلزال المدمر الذي ضرب منطقة الحوز، واحدة من أهم مدن المغرب، كان موجعا ومفجعا لكل مواطني العالم، فما بالنا بكل عربي وأفريقي تربطه مع المغرب أواصر الجوار والدم، ما جعل كل مواطن في كل قطر عربي يفكر في تقديم المساعدة للأشقاء في المغرب، وكذلك كان الدور الرسمي للحكومات التي انتفضت وجهزت مساعداتها الإنسانية لتكون بجانب الدولة المنكوبة.

وفي حالة المغرب كانت العين على الجزائر التي قطعت علاقتها الدبلوماسية مع المغرب في أغسطس ٢٠٢١ لتراقب رد فعلها، إلا أن الجزائر بادرت وقدمت التعازى للشعب المغربي في بيان رسمي، كما فتحت مجالها الجوي أمام طائرات المساعدة الإنسانية، ولم تقف عند هذا الحد، بل جهزت ثلاث طائرات تحتوي على مختلف المساعدات اللازمة للتعامل مع كارثة الزلزال. وفي رد صادم، أبلغت المغرب، رسميا، الجزائر أنها ليست في حاجة إلى مساعداتها، رغم أنها قبلت مساعدات من دول أخرى؛ وعللت المغرب الأمر بأن لديها خبرة في التعامل مع كوارث الزلزال وأنها ليست في حاجة إلى مساعدات غذائية ودوائية، فقد وفرتها بالتعاون مع المؤسسات الأهلية في المغرب. وفي الحقيقة، نجد أن الكوارث الطبيعية تخلق حالة إنسانية بالفطرة يتضامن فيها المختلفين أو المتخاصمين، بشكل لا إرادي، لتقديم العون والمساعدة للطرف المنكوب، ففي وقت الأزمات تظهر معادن الناس والدول.

كارثة الزلزال لدى المغرب، وإن كانت كارثة طبيعية، فهي باب من أبواب الدبلوماسية التي تلعب دورا في تقريب وجهات النظر وتمهيدا لبداية طريق في إنهاء الخلافات، وهو ما يعرف دبلوماسية الكوارث.

على الرغم من الخلافات العميقة بين المغرب والجزائر بسبب قضايا حدودية وقضية الصحراء الغربية التي ترى المغرب أنها أحد أقاليمهان وتدعم الجزائر جبهة البوليساريو المناهضة للمغرب؛ الأمر الذي أدى في النهاية إلى قطع العلاقات بين البلدين من جانب الجزائر.. على الرغم من كل ذلك، إلا أنني أرى أن فتح المجال للجزائر، بشكل خاص، للتواجد للمساعدة في المحنة المغربية كان سببا قد يبدأ في تعبيد الطريق لطي صفحة الخلافات بين البلدين الشقيقين، وكان من الطبيعي أن تتلقف منظمتي جامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، هذا الخيط مدعوما من دول عربية وازنة في المنطقة للمساعدة في هذا التقريب.. ولكن لم يحدث للأسف!

أما في ليبيا والتي ضربتها العاصفة المدمرة “دانيال” والتي كانت أكثر فاجعة من زلزال المغرب، حيث قضت العاصفة على مدينة بأكملها هي مدينة درنة في شرق البلاد ومعها عدد من المدن الأخرى مثل المرج والبيضا وسوسة؛ إذ انهار سدين وفاضت المياه جارفة البشر والبيوت وكل معالم المدينة الجميلة لتتحول إلى مدينة أشباح، مخلفة حتى الآن أكثر من عشرة آلاف من الأرواح، علاوة على أعداد المفقودين والمقدرة بالآلاف أيضا. وما يزيد من تبعات الكارثة أن تتحول إلى أزمة طويلة لا يعلم أحدا مآلاتها بعد أن تعرضت الجثث في الشوارع للتحلل وانتشار الروائح العفنة الحاملة للميكروبات والجراثيم المعدية لتخلق بيئة ممرضة في إنذار لبداية كارثة جديدة لانتشار الأمراض المعدية، خاصة مع قلة الإمكانات واللوجستيات التي تفتقر إليها المؤسسات الحاكمة في ليبيا.

وفي مفاجأة أخرى، صدرت تصريحات ليبية ومن خارج ليبيا بأن الانقسام الداخلي بين المتصارعين على الحكم هو السبب في فداحة الكارثة؛ حيث تم اعتماد المبالغ المالية اللازمة لصيانة السدين المنهارين وأنها في موازنة ٢٠٢٣، ومع ذلك كان الإهمال منذ الحكومات المتعاقبة منذ عام ٢٠١١، بل وامتد اللوم وسبب الإهمال إلى حقبة حكم الراحل معمر القذافي. فقد صرح بيتيري تالاس الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة من مقره في جنيف بأنه لو كانت هناك أجهزة إنذار تساعد في التنبؤ بالكارثة قبل وقوعها كان التصرف أفضل وكانت الخسائر أقل، ولكن الفوضى الغارقة فيها ليبيا والانقسام السياسي منذ سقوط حكم زعيمها السابق معمر القذافي أدى إلى هذه الكارثة المروعة. حالتي المغرب وليبيا ترجمتا كارثتان من فعل الطبيعة وكارثتان من فعل السياسة، فهل أدركنا أن كوارث الطبيعة مثلتا الفرصة لإنهاء ما أقدمت عليه كوارث السياسة ومعالجة نتائجها لاستعادة المسار العربي الصحيح تحت مظلة القوة الجامعة؟

رابط مختصر
2023-09-17 2023-09-17
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العربي الأفريقي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

حاتم عبدالقادر