السياسة الأمريكية.. ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب!

5 يناير 2026آخر تحديث :
إبراهيم  الصياد
إبراهيم الصياد

بقلم: إبراهيم الصياد

حدث فنزويلا الذي استحوذ على الإهتمام خلال الساعات الأخيرة الماضية عندما قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتقال نظيره الڤنزويلي نيكولاس مادورو من مقر إقامته في العاصمة كاراكاس في خطوة مباغته استدعى إلى الذهن مايعانيه النظام الدولي الحالي من عيوب هيكلية عميقة باتت تهدد فعاليته وقدرته على حفظ الاستقرار العالمي.

بعد عقود من الهيمنة الليبرالية الغربية التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يجد العالم نفسه اليوم أمام نظام مأزوم، يتآكل من الداخل بفعل تناقضاته، ويُستنزف من الخارج بتراكم تحديات غير مسبوقة.

ويمكن تلخيص هذه الأزمة في عنوان واحد رئيسي:

(العالم في أزمة)

وتتفرع عنه ثلاثة عناوين فرعية:

اهتزاز النظام الليبرالي المهيمن
عجز المؤسسات الدولية
تراكم التحديات العالمية العابرة للحدود والمتداخلة مع الأزمات الداخلية للدول.

فقد شكّل النظام الليبرالي، الذي قادته الولايات المتحدة وحلفاؤها، الإطار الحاكم للعلاقات الدولية لعقود، مستندًا إلى مبادئ الحرية الاقتصادية والديمقراطية السياسية والتعددية المؤسسية !

غير أن هذا النظام يواجه اليوم تحديات جوهرية من قوى صاعدة مثل الصين وروسيا، التي لا تكتفي برفض بعض قواعده، بل تسعى إلى إعادة صياغة توازنات القوة بما يخدم مصالحها ونماذجها السياسية الخاصة !

وتتعمق أزمة هذا النظام بفعل التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة إن الدول الغربية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية، كثيرًا ما تنخرط في سياسات تدعم أنظمة غير ديمقراطية أو تتغاضى عن انتهاكات جسيمة، ما أفقد النظام الليبرالي جزءًا كبيرًا من مصداقيته الأخلاقية، خاصة في نظر الدول الواقعة في جنوب العالم.

إضافة إلى ذلك، يشهد العالم تحولًا متسارعًا نحو سياسات القوة والمواجهة المباشرة، بدلًا من الالتزام بالقواعد والأعراف الدولية ويتجلى ذلك في تصاعد ملامح “حربين باردتين” جديدتين:

الأولى بين الولايات المتحدة وروسيا

الثانية بين واشنطن وبكين

بما يعكس تآكل منطق التعاون وتكريس الجوانب الصراعية في العلاقات الدولية

كما أن تراجع دور الولايات المتحدة تدريجيًا عن دورها التقليدي كمزود للمنافع العامة العالمية، مثل ضمان الأمن الدولي والاستقرار الاقتصادي، دون أن تبرز قوة بديلة قادرة أو راغبة في ملء هذا الفراغ وظهور الوجه الآخر لأمريكا الذي يمثل دور القبضايا أو فتوة العالم الشرير – غير الطيب – المساند للعنف والقهر كما حدث في حرب غزة!

في المقابل تُعد المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، العمود الفقري للنظام الدولي، إلا أنها باتت تعاني من قصور واضح في الأداء.
فقد فشلت هذه المؤسسات في منع أو احتواء صراعات كبرى في أوكرانيا فلسطين والسودان وسوريا واليمن، ما كشف محدودية قدرتها على فرض السلام أو حتى إدارة الأزمات بفعالية !

وهاهي تقف عاجزة أمام غطرسة القوة والبلطجة الدولية وما حدث في ڤنزويلا ليس ببعيد !

ويرتبط هذا الفشل بهيمنة الدول الكبرى على آليات اتخاذ القرار، خصوصًا في مجلس الأمن، حيث يُستخدم حق النقض ( الڤيتو ) بشكل منهجي لخدمة المصالح الوطنية الضيقة، على حساب السلم والأمن الدوليين.

كما تعاني العديد من المنظمات الدولية من بيروقراطية متضخمة وضعف في آليات الإنفاذ، ما يحولها في كثير من الأحيان إلى منصات نقاش بلا تأثير فعلي !

يضاف إلى ذلك نقص التمثيل والشرعية، إذ لم تتطور هياكل الحوكمة العالمية international governance بما يعكس التحولات في ميزان القوى الدولي. ونتيجة لذلك، تتزايد قناعة كثير من الدول بأن هذه المؤسسات تمثل مصالح الغرب أكثر مما تعكس إرادة المجتمع الدولي ككل !

ماذا يعني هذا ؟ يعني بمنتهى البساطة اتساع الفجوة بين حجم التحديات العالمية وقدرة النظام الدولي على الاستجابة لهذه التحديات .
إن قضايا مثل تغير المناخ، والأوبئة، والهجرة، والأمن السيبراني تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وتتطلب مستويات غير مسبوقة من التعاون الدولي، وهو ما يعجز النظام الحالي حتى الآن عن تحقيقه بفعالية.

في الوقت ذاته، تواجه الدول ضغوطًا داخلية متزايدة ناجمة عن أزمات اقتصادية وديموجرافية وبيئية ؟

وتؤدي هذه الفجوة بين ما يقدمه الحكومات وما ينتظره الشعوب إلى اضطرابات سياسية داخلية، سرعان ما تنعكس على الاستقرار الدولي.
كما يشهد العالم تراجعًا ملحوظًا في الحكم الديمقراطي وصعودًا للاستبداد، إلى جانب تفاقم الصراعات الداخلية والعنف السياسي، ما يقوض فرص بناء تعاون دولي قائم على القيم والمصالح المشتركة.

في المحصلة، يعيش النظام الدولي مرحلة انتقالية مضطربة، تتآكل فيها ركائز النظام الليبرالي القديم، بينما تبدو المؤسسات القائمة عاجزة عن التكيف مع التحولات الجيوسياسية وإدارة التحديات العالمية الملحة. وبين غياب القيادة المنصفة واستبدالها بطرق !

ومع تراكم الأزمات، يظل مستقبل النظام الدولي مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين إصلاح تدريجي مؤلم أو انزلاق نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في العالم !

 

*كاتب المقال: رئيس قطاع الأخبار الأسبق بالهيئة الوطنية للإعلام.

الاخبار العاجلة