“ترامب” وورقة الحل لسد النهضة

17 يناير 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

حين تُرسل واشنطن رسالة مباشرة إلى القاهرة، فإننا لا نقرأ الكلمات وحدها، بل نقرأ ما خلفها .. فالعلاقات المصرية الأمريكية لا تتحرك غالبا ً على سطح المجاملات، بل في عمق المصالح، وموازين القوى، وإدارة الملفات الكبرى.
ومن بين ما ورد في رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، جاء الحديث عن استعداده للتدخل لحل أزمة سد النهضة، وهو الجزء الذي يستحق قراءة عاجلة لأن سد النهضة لم يعد قضية مياه فقط، بل قضية وجود وأمن قومي تتشابك فيها السياسة والاقتصاد والخرائط الإقليمية.
أولا ً ؛؛؛ لنعترف بحقيقة لا تُقال كثيرا ً أن أزمة سد النهضة ليست أزمة فنية ، بل أزمة قرار سياسي، فالتقارير الهندسية مهما كانت دقيقة، لا تفرض وحدها مسار الحل، لأن جوهر الأزمة يتلخص في سؤال واحد:
هل هناك إرادة حقيقية لاتفاق ملزم؟
أم أن القضية تُدار بمنطق “فرض الأمر الواقع” ثم التفاوض بعد اكتمال أدوات الضغط؟
ومصر كانت واضحة منذ اليوم الأول حينما أعلنت انها مع التنمية في إثيوبيا، ومع حقها في الكهرباء، لكننا ضد الإضرار بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل، وضد تحويل النهر إلى أداة مساومة.
ثانيا ً : لماذا يتحدث ترامب الآن عن التدخل ؟
حين يقول ترامب إنه قادر على التدخل لحل أزمة سد النهضة، فالسؤال ليس: هل يستطيع؟
بل: لماذا الآن؟
الإجابة الأقرب للمنطق أن الولايات المتحدة تعي جيدا ً أن أزمة المياه في مصر ليست ملفاً
قابلا ً للتأجيل، وأن أي انفجار في هذا الملف لن يبقى داخل الحدود المصرية، بل سيرتد على الإقليم كله من اضطراب اقتصادي، توتر سياسي، وربما انفلات أمنّي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وقد تكون واشنطن ترى أن لحظة إعادة التموضع في الشرق الأوسط تستلزم “تقديم عرض” للقاهرة يحمل عنوانا ً جذابا ً (حل أزمة السد).
لكن السياسة لا تُدار بالجاذبية وحدها، بل بالحسابات.

ثالثا ً : ما الذي تستطيع واشنطن فعله فعلا ً؟
بعيدا ً عن الانطباعات، واشنطن تمتلك بالفعل أدوات ضغط مؤثرة، أهمها النفوذ المالي عبر مؤسسات التمويل الدولية والتأثير الدبلوماسي على شبكات الدعم السياسي والاقتصادي، والقدرة على صياغة ضمانات دولية ملزمة إذا توافرت الإرادة.
لكن المشكلة ليست في امتلاك الأدوات فقط، بل في قرار استخدامها .. وهنا تبرز الحقيقة الأهم ؛ فلو أرادت واشنطن حل الأزمة منذ البداية لفعلت !
إذن فالأرجح أن الحديث عن التدخل ليس “كرما ً سياسيا ً”، بل تحرك مرتبط بترتيبات مصالح أو رسائل ضغط متبادلة.
رابعا ً : مصر ليست طرفا ً ينتظر وسيطا ً
مصر لا ترفض الوساطة، لكنها لا تقبل أن تتحول الوساطة إلى باب جديد من أبواب الابتزاز السياسي، فالموقف المصري يجب أن يظل قائما ً على ثلاثة ثوابت لا تنازل عنها:
اتفاق قانوني ملزم يحكم الملء والتشغيل.
آلية واضحة لفض النزاعات دون مماطلة.
ضمانات تمنع استخدام المياه كسلاح سياسي أو ورقة ضغط مستقبلية.
وهذه الثوابت ليست “طلبات تفاوضية”، بل حقوق حياة.
خامسا ً : ما الذي يجب أن تفعله القاهرة الآن؟
الذكاء هنا ليس في قبول العرض أو رفضه بشكل انفعالي، بل في إدارة الموقف ببرود الدولة لا بحرارة اللحظة.
نعم؛ يمكن لمصر أن تستثمر أي مبادرة دولية لصالحها، لكن بشروطها .. وأن تفتح الباب لأي دور أمريكي محتمل، ولكن ضمن معادلة واضحة ، مرحبة ً بالمساعدة ولكن بشرط أن تكون حلا ً حقيقيا ً لا مجرد عنوان.
فمصر لا تحتاج “وعدا ً إعلامياً”، بل تحتاج نتائج على الأرض، لأن شريان الحياة لا يُدار بالتصريحات .
سادسا ً : أخطر ما في الأزمة أنها مفتوحة على المستقبل فقضية سد النهضة ليست فقط “كمية مياه اليوم” ؛ بل “من يملك قرار الغد”.
فإذا أصبح من حق طرف واحد أن يملأ ويشغل ويغلق ويفتح دون اتفاق ملزم، فهذا يعني أن مصر ستعيش تحت تهديد دائم ليس عسكريا ً، بل وجوديا ً.
ومن هنا نفهم لماذا تتحرك القاهرة بهدوء شديد، وحذر شديد، ووعي شديد، لأن أي خطوة في هذا الملف تُحسب بميزان الذهب.
في النهاية رسالة ترامب للرئيس السيسي ليست نهاية الأزمة .. لكنها قد تكون بداية مسار مختلف بما ورد فيها حول سد النهضة، لا يجب أن تُقرأ كحدث عابر، بل كإشارة سياسية.
قد تكون تمهيدا ً لضغط أمريكي حقيقي وقد تكون مجرد محاولة لفتح باب نفوذ جديد في القاهرة.
لكن المؤكد أن مصر لن تُدار من الخارج، ولن تقبل أن يصبح “حق الحياة” ورقة تفاوض.
فالنيل بالنسبة للمصريين ليس ملفا ً دبلوماسيا ً ،بل هو وطن يسري في الجسد.
وأي حل حقيقي لأزمة سد النهضة يبدأ من نقطة واحدة لا بديل عنها:
الالتزام ، ثم الالتزام ، ثم الالتزام.

الاخبار العاجلة