سدّ النهضة.. حين يتحوّل الماء إلى ورقة نفوذ

22 يناير 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

ليست قوة تلك الصورة التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي في جمال تكوينها البصري فقط، بل في “الوعي السياسي” الذي بثّته داخل المتلقي دون أن تنطق بكلمة واحدة. صورة تقول إن ملف سدّ النهضة لم يعد مجرد خلاف فني حول حصة مياه، ولا مجرد مشروع تنموي تدّعيه دولة تبحث عن الكهرباء، بل تحوّل إلى ساحة اختبار قاسية لفكرة أكبر وأخطر؛ فكرة أن الماء يمكن أن يصبح أداة نفوذ، وأن الأمن المائي قد يُدار كملف ضغط، وليس كحق حياة.

منذ سنوات طويلة، كانت الفكرة البسيطة التي يرددها البعض أن الأزمة تتمحور حول “سد” ومفاوضات، وخرائط فنية، ووساطات، ونقاط قانونية. لكن الواقع الذي انكشف تدريجيا ً، هو أن المسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام نموذج جديد للصراع، لا تُستخدم فيه الجيوش بشكل مباشر، بل تُستخدم فيه الملفات الحيوية؛ مثل المياه، والاقتصاد، والحدود، والطاقة، وكأنها مفاتيح خفية لإعادة ترتيب توازنات المنطقة.

الصورة وضعت شخصية ترامب في مركز المشهد، ممسكا ً بما يشبه “ملف النيل” وكأنه يقرأه أو يقرر مصيره. وهذه ليست مبالغة فنية، بل تعبير رمزي شديد الدقة عن حقيقة السياسة الدولية: الملفات الكبرى في العالم لا تسير فقط وفقا ً للحق والعدل، بل وفقا ً لحسابات المصالح والضغط والتوقيت. فحين تدخل أمريكا على خط قضية ما، فهي لا تأتي غالبا ً بوصفها وسيطا ً نزيها ً، بل بوصفها “صاحب قدرة” على تحريك أطراف المشهد، أو الضغط عليهم، أو توظيف الملف في اتجاه يخدم مصالحها الأوسع.

والملفت أن الصورة لم تجعل الصراع ثنائيا ً بين مصر وإثيوبيا فقط، بل أضافت الطرف الإسرائيلي في الخلفية، صامتا ً، مترقبا ً، وكأن الرسالة هنا تقول إن أي ملف استراتيجي يمسّ مصر، لا يمكن فصله عن حسابات الإقليم ككل. فإسرائيل لا تنظر لمصر كدولة جارة فقط، بل كقوة محورية، وكل اهتزاز في استقرارها أو اقتصادها أو أمنها الداخلي، هو مكسب غير مباشر لأي مشروع يريد إعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط جديدة.

أما الطاولة التي بدت كأنها غرفة قرارات عالمية، وما فوقها من رموز عسكرية، فهي رسالة أخرى في غاية الأهمية. فحتى لو كان الصراع “مدنيا ً” في ظاهره، إلا أن أدوات الضغط فيه ليست مدنية بالكامل. التهديد لا يأتي بالمدافع وحدها، بل قد يأتي بالعطش، وبالتأخير في التنمية، وبخلق أزمات داخلية تتراكم حتى تُضعف الجبهة الوطنية. وهذه هي الحروب الحديثة التي لا تُعلن رسميا ً، لكنها تُنفّذ بدقة شديدة.

والأخطر في الصورة كان ذلك السدّ المتشقق في منتصف المشهد، وكأنه عمود قائم بين عالمين. تشققه لم يكن تشققا ً هندسيا ً فقط، بل كان تشققا ً معنويا ً يرمز إلى فكرة أكبر: أن الخطر الحقيقي ليس في “انهيار سد” أو امتلائه، بل في انهيار ميزان الاستقرار عندما تُمسّ حياة شعب كامل من أهم شريان وجودي لديه.

إن النيل بالنسبة لمصر ليس موردا ً قابلا ً للتفاوض كأي مورد اقتصادي، بل هو معنى أعمق من الماء. هو حياة وهوية ودولة، وحين يصبح النيل ملفا ً على طاولة القوى الكبرى، فهذا يعني أن القضية لم تعد مجرد حقوق تاريخية وقوانين دولية، بل أصبحت اختبارا ً لقدرة الدول على حماية مصيرها من العبث السياسي.

وربما كان أدق تفصيلة في الصورة هي خط الزمن الممتد من عام 2011 حتى اللحظة الراهنة. وكأنها تقول إن الأزمة ليست مفاجأة، ولا وليدة عام أو عامين، بل هي مسار طويل من الإهمال الدولي، والمراوغات، والتسويف، ومحاولات شراء الوقت، حتى وصلت الأمور إلى مرحلة “الآن” حيث لم يعد التراجع سهلا ً، ولم تعد الحلول الناعمة كافية.

لكن وسط هذا العمق كله، تظل الحقيقة التي لا يجب أن تغيب: أن مصر ليست دولة تبحث عن أزمة، بل دولة تبحث عن حقها في الحياة. وأنها لم تكن يوما ً طرفا ً يهدد أو يبتز، لكنها ترفض أن تكون ضحية صمت دولي أو شراكة صامتة في الضغط عليها.

إن إدارة أزمة سدّ النهضة لم تعد ترفا ً سياسيا ً ولا ملفا ً دبلوماسيا ً منفصلا ً، بل أصبحت جزءا ً من معركة وعي قومي، معركة إدراك أن الأمن المائي ليس قضية وزارة أو جهاز، بل قضية مجتمع كامل. فإذا كنا قد دخلنا زمنا ً تتحول فيه المياه إلى ورقة نفوذ، فهذا يعني أن المعركة ليست فقط على طاولة مفاوضات، بل في قدرة الدولة على امتلاك كل أدوات قوتها، وفي قدرة الشعب على إدراك طبيعة ما يجري دون تهوين أو تهويل.

الصورة لم تضع “مصر” في المنتصف عبثا ً، بل وضعتها حيث يجب أن تكون دائما ً: في قلب المعادلة. لأنها ليست طرفا ً هامشيا ً، ولا دولة قابلة للضغط بلا ثمن. والنيل ليس خطا ً على خريطة، بل شريان تاريخ، ومن يمسّه لا يمسّ ماء فقط… بل يمسّ معنى دولة كاملة.

وفي النهاية، إذا كانت تلك الصورة قد نجحت في تلخيص المشهد بهذا العمق، فالأهم أن ننجح نحن في إدارة المشهد بالوعي ذاته. لأن زمن الملفات الصغيرة انتهى، وزمن الصراع على مفاتيح الحياة بدأ.

الاخبار العاجلة