
ما جرى في المجال الجوي اليوناني لم يكن مجرد خبر عابر عن عطل فني، ولا أزمة تشغيلية تُحل ببيان مقتضب أو إعادة توجيه مسارات الطيران؛ ما حدث كان كاشفا ً، لا لخلل تقني فحسب، بل لخلل أعمق في تصور العالم الحديث عن نفسه، وعن صلابة بنيته، وعن وهم السيطرة الكاملة على الزمن والحركة.
لساعات قليلة، توقفت السماء عن الاستجابة، لم تسقط طائرات، ولم تُعلن حالة حرب، لكن القرار الجوي شُلّ تماما ً لمجرد خلل في منظومة الاتصالات كان كافيا ً ليضع واحدة من أكثر مناطق العالم ازدحاما ً بالطيران أمام سؤال وجودي: ماذا لو لم نتمكن من إدارة السماء؟
هنا لا نتحدث عن رفاهية السفر، بل عن شريان الزمن نفسه، عن القدرة على الحركة، والربط، والاتصال، واتخاذ القرار.
السماء في عالم اليوم لم تعد فضاءً مفتوحا ً محايدا ً، بل أصبحت بنية تحتية سيادية، من يملك مفاتيحها يملك القدرة على تسريع الزمن أو تعطيله .. الرحلات الجوية ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي اختصار للأيام، ضغط للمسافات، إعادة تشكيل للاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.
حين تتوقف السماء، يتباطأ الزمن، وتدخل الدول في فراغ غير مرئي، لكنه بالغ التأثير.
اللافت في المشهد أن العطل، رغم كونه محصورا ً جغرافيا ً، إلا أنه أحدث ارتباكا ً عابرا ً للقارات، وهذا يعني أن النظام العالمي، رغم ضخامته، لا يزال قائما ً على نقاط ارتكاز محدودة .. وحين تسقط نقطة واحدة، يظهر الارتباك، لا لأن البدائل غير موجودة، بل لأن الاعتماد المفرط على مسارات بعينها صنع هشاشة صامتة.

في المقابل، كشفت إدارة بعض الدول للأزمة عن فارق جوهري بين من يفكر بمنطق “العقدة” ومن يفكر بمنطق “الشبكة” فالدول التي تمتلك تعدد المسارات ومرونة القرار لا تتجمد أمام الطوارئ، بل تمتص الصدمة وتكمل الحركة، حتى وإن تباطأت، أما الدول التي وضعت سماءها كلها في سلة واحدة، فتكتشف فجأة ً أن السيطرة التي ظنتها كاملة كانت مشروطة ً ومؤقتة.
الأخطر في الأمر ليس ما حدث، بل ما يمكن أن يحدث؛ فإذا كان خلل فني كافيا ً لتعطيل السماء لساعات، فكيف سيكون المشهد إذا كان العطل متعمدا ً؟
إذا كان سيبرانيا ً؟
إذا استهدف الترددات، أو مراكز القرار، أو أنظمة النسخ الاحتياطي؟
هنا لا نتحدث عن طيران فقط، بل عن زمن يُسرق، واقتصاد يُجمّد، وعالم يدخل في حالة بطء قسري.
*من يسيطر على السماء لا يملك مجرد ارتفاع، بل يملك الإيقاع؛ يملك القدرة على التعجيل أو الإرجاء، على الربط أو العزل، على جعل العالم قريبا ً أو بعيدا ً. *
ولهذا لم تعد معارك المستقبل تدور فقط على الأرض أو البحر، بل في الفضاء الجوي غير المرئي، حيث تُدار الحروب بلا ضجيج، وتُقاس الانتصارات بالدقائق لا بالدماء.
ما حدث رسالة هادئة، لكنها عميقة؛ أن العالم أسرع مما نظن، لكنه أيضا ً أكثر هشاشة مما نراه ونعترف به. ومن يفهم السماء، يفهم الزمن، ومن يحسن إدارتها، يملك القدرة على النجاة حين يتباطأ كل شيء من حوله.
