التغيير من القمة لا يكفي

13 فبراير 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

مع كل حديث عن تعديلات وزارية أو تغيير قيادات عليا، ينشغل الجميع بالأسماء الجديدة من ناحية خلفياتهم، خبراتهم، وتوقعات الأداء المنتظر منهم.
لكن السؤال الأعمق يظل حاضرا ً بقوة:
هل تغيير القمة وحده كافٍ لإصلاح مؤسسة مترامية الأطراف ومعقدة التركيب؟

الحقيقة الإدارية البسيطة تقول: لا.

فالقيادة العليا ترسم الرؤية، وتحدد الاتجاه، وتعلن الأولويات، لكنها لا تدير التفاصيل اليومية. من يفعل ذلك فعليا ً هم القيادات الوسطى؛ تلك الحلقة التي تمسك بخيوط التنفيذ، وتترجم القرار إلى إجراء، والخطة إلى عمل، والتعليمات إلى واقع ملموس.

إذا كانت هذه الطبقة مؤمنة بالتطوير، مستعدة لتحمل كلفته، وقادرة على استيعاب طموحات القيادة الجديدة، فإن المؤسسة تتحرك بانسيابية واضحة .. أما إذا كانت مترددة، أو تخشى فقدان مواقعها، أو ترى في التغيير تهديدا ً لمعادلات مستقرة اعتادت عليها، فإنها قادرة – بهدوء كامل – على إبطاء أي مسار إصلاحي دون إعلان معارضة صريحة.

وهنا يظهر أخطر مظاهر البيروقراطية: الالتزام الشكلي.

قد تبدو الاجتماعات منعقدة، والتقارير مرفوعة، والتعليمات معممة، لكن الأداء يظل هشّا ً، وتتحول القرارات إلى أوراق، والمبادرات إلى عناوين، وتُستنزف الطاقة في إجراءات جانبية لا تمس جوهر المشكلة.
إنها مقاومة صامتة، لا تصطدم بالقيادة الجديدة، لكنها لا تساعدها أيضا ً.

لذلك فإن اختيار القيادات الوسطى لا يقل أهمية عن اختيار القيادات العليا، بل إن بعض المؤسسات تنهض بقيادة عليا متوسطة الكفاءة إذا كانت طبقتها الوسطى قوية ومخلصة، وتتعثر بقيادة عليا متميزة إذا كانت الحلقة التنفيذية متكلسة أو غير راغبة في التطوير.

غير أن حسن الاختيار وحده لا يكفي؛ فمسئولي التنفيذ – في الإدارات المختلفة – هم من يُجسّدون القرار على الأرض، وهنا لا بد من ضوابط أداء واضحة، ومعايير قياس محددة، ومؤشرات موضوعية لا تحتمل التأويل. المؤسسات الحديثة لا تُدار بحسن النوايا فقط، بل بمنظومات متابعة دقيقة تُفرّق بين الإنجاز الحقيقي والمظهر الإداري المنضبط.

ولا يكتمل الحديث عن الإصلاح دون معالجة مسألة الحوافز والتأهيل المهني، فربط الحوافز بالأداء الفعلي والنتائج المحققة ليس رفاهية إدارية، بل هو صمام عدالة داخل المؤسسة. فحين يتساوى المجتهد والمتقاعس، تتآكل الدوافع والحماس ويترسخ الأداء الشكلي. أما حين تُربط المكافأة بالإنجاز، يصبح التفوق قيمة عملية لا شعارا ً نظريا ً.

كما أن التطوير لا يتحقق بالنيات الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى برامج تدريبية دورية تواكب معدلات التطور المتسارعة من حولنا. العالم يتغير بسرعة، والتقنيات وأساليب الإدارة تتجدد، ولا يجوز أن تبقى أدوات العمل ثابتة في بيئة متحركة.

 

 

إن الأمر يستوجب إقرار منظومة دورات حتمية للترقي، يكون اجتيازها بنجاح شرطا ً لازما ً لتولي المناصب القيادية، هذه المنهجية مطبقة في مؤسسات منضبطة مثل القوات المسلحة، حيث لا يُعتمد الترقي في الرتبة أو الوظيفة إلا بعد عبور مراحل تأهيل إلزامية تضمن الجاهزية والكفاءة، ونقل هذا المفهوم إلى الجهاز الإداري المدني – مع مراعاة طبيعته – يمكن أن يحقق نقلة نوعية في معايير الاختيار والارتقاء.

ومن هنا تأتي خطوة ضرورية لأي قيادة جديدة: الفحص الفوري لاختصاصات الجهاز الإداري والتنفيذي.

كثير من المؤسسات تعاني من تضارب في الاختصاصات، وتكرار في المهام، وضعف في قواعد البيانات، ومسارات معلومات طويلة تُبطئ وصول القرار أو تُربك دقته، في ظل هذا التعقيد، يصبح القائد – مهما بلغت كفاءته – أسير بنية إدارية لا تساعده على الرؤية الواضحة.

إعادة رسم الخريطة الداخلية للمؤسسة ليست ترفا ً تنظيميا ً، بل شرطا ً للنجاح ؛ من يفعل ماذا ؟
من يُحاسَب على ماذا؟ كيف تنتقل البيانات؟
كم تستغرق الدورة المستندية؟
وأين تتعطل الأمور؟

حين تتضح الإجابات، يصبح القرار أسرع، والمتابعة أيسر، وقياس الأداء أكثر عدلا ً.

التغيير الحقيقي ليس قرارا ً فوقيا ً يُعلن في مؤتمر صحفي، بل عملية ممتدة تتكامل فيها الرؤية من القمة، والإرادة في الوسط، والانضباط في القاعدة. وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يُفرغ الإصلاح من مضمونه مهما حسنت النوايا، فالقمة قد تُعلن الاتجاه، لكن القيادات الوسطى ومسئولي التنفيذ هم من يحولونه إلى واقع، أو يتركونه حبرا ً على ورق.

الاخبار العاجلة