” بدنـا نـرُوق “

13 فبراير 2026آخر تحديث :
جوزف الهاشم
جوزف الهاشم

بقلم: جوزف الهاشم

“بدنا نروق” هذا عنوان أُغنية ، ما أنْ نطقَتْ بها الفنّانة الإستعراضية هيفا وهبي حتى انتشرت كالحكمةِ الرائجةِ على كلِّ شفَةٍ ولسان ، والحكمةُ على ما يبدو بقدر ما تترنّم بالدَلَع والإغراء ، بقدر ما يكون لها أثـرٌ بالغ الإنتشار .
لم يقتصر ذكرُ هذه الإغنية على المجالس الخاصة واللقاءات الشعبية ، بل ارتفعتْ إلى مستوى العلم السياسي ، حتى أنني لاحظتُ أحدَ الحوارات السياسية على الشاشات ، حين بلغ التشنّج فيه مستوى المواجهة الحادّة بين المتحاورين ، كان لا بـدّ لمَـنْ يدير المحاورة أنْ يلجأ إلى حكمة الفنانة هيفا وهبي ، قائلاً : “لا … يا شباب بدنـا نروق ” .
أكثر الذين تستهويهم هذه الأغنية ، هم الزعماء السياسيون الجدد ، أو أفراخ السياسة الذين صعدوا إلى فوق بواسطة الفانوس السحري لصاحبه علاء الدين في قصص ألف ليلة وليلة .
هؤلاء ، ليس من حجّـةٍ يبرّرون بها صعودهم الوهمي إلى فوق ، إلاّ ما جاء في هذه الأغنية ، “أنا مش عمْ جـرّب أطلع … أنا فوق”.
كان الزعيم في لبنان حتى يصل إلى مرتبة الزعامة يحتاج إلى سنوات طوالٍ من الجهد والعمل والكدح إلى جانب الشعب دفاعاً عن قضاياه حتى يصعد إلى فوق ، واليوم في زمن تقلُّبات التاريخ وانقلاب الأزمنة أصبح الرجل السياسي حتى يصل إلى فوق لم يعد يحتاج إلاّ الإستنجاد بأغنية هيفا وهبي .
على أنّ الإستنجاد السياسي بأغنية فنّانة جميلة من شأنه أن يعرّض الحياة السياسية إلى سلبيات ومتاعب ، لأنه إذا قيل إنَّ المرأة البشعة كثيراً ما توجّع القلب فإن المرأة الجميلة كثيراً ما توجّع الرأس .
من المعروف أن كل رأي يحتاج إلى حجّـة لإثبات صوابيّته ، وهو ما يُعرف بالإسناد ، والإسناد لا يقتصر على المجال العسكري والدعم الميداني ، بقدر ما يعود أصلُهُ إلى علم اللغة العربية ، وهو يشكّل الترابط بين كلمتين كمثل إسناد الخبر إلى المبتدأ .
هذا الإسناد يلجأ إليه الكتّاب والخطباء والأدباء والبرلمانيون والمحامون إستشهاداً بحكمة الحكماء والفلاسفة وكبار المفكرين والأنبياء وكتب الدين ، دعماً لسياسةٍ في برلمان ، ومرافعة في محكمة ، وخطبة على منبر ، ومقالة في جريدة ، وحديث في مجلس .
هاكم على سبيل المثال :
القرآن والأحاديث والأناجيل ، أرسطو ، أفلاطون ، إبن خلدون ، القديس أوغسطينوس ، يوحنا فم الذهب ، علي بن أبي طالب ، المعرّي ، المتنبي ، جبران خليل جبران .
ولأن أكثر الإستشهادات الرائجة عندنا هي للمتنبي ، فليس ما يمنع تعميماً للفائدة ، من تذكير السياسيين والزعماء ببعض أقوال المتنبي والتي قد تنطبق على حالنا وحال زعمائنا الذين هم فوق .
ــ لا تشترِ العبدَ إلاّ والعصا معه …
ــ إنْ أنتَ أكرمْتَ اللئيم تمرّدا …
ــ مصائب قـومٍ عند قـومٍ فوائدُ …
ــ فيك الخصامُ وأنتُ الخصمُ والحكمُ …
ــ الرأي قبل شجاعة الشجعان …
ــ تجري الرياح بما لا تشتهي السفُنُ …
ــ مَـنْ لم يمُتْ بالسيف مات بغيرهِ …
أبرز أبيات المتنبي وأكثرها استثارةً وتبجُّحـاً هي في قوله :
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
أخشى أن يتعلّق الزعماء الجدد بهذا البيت فيودي بهم كما أودى بصاحبه إلى الهلاك .
ومن أجل الحفاظ على حياتهم ومستواهم الفكري ، عليهم أن يحتفظوا بثقافة الفنانات الإستعراضية .

 

*كاتب المقال: وزير لبناني سابق.

الاخبار العاجلة