
بقلم: لواء مصطفى زكريا
من أخطر ما يمكن أن يُطرح الآن في سياق الحرب الدائرة هو الحديث عن إنزال برمائي محدود على بعض الجزر الإيرانية أو على نقاط ساحلية قريبة من المضيق؛ لأن هذا النوع من العمليات إن وقع فلن يكون مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بل قد يتحول إلى نقطة كسر استراتيجية تفتح أبواب الإقليم على مشهد بالغ الخطورة.
المعطيات المتاحة حتى هذه اللحظة تبرر القلق، لكنها لا تبرر القفز إلى الجزم ؛ فالتقارير المتداولة تشير إلى وصول متزايد لقوات من المارينز إلى المنطقة، مع حديث متصاعد عن خيارات أمريكية محدودة على الأرض، بينما خرجت طهران بتحذيرات علنية شديدة اللهجة ضد أي وجود أمريكي بري .. كما أن طرح السيطرة على مراكز تصدير نفطية حيوية، مثل مركز التصدير الرئيسي في جزيرة خرج، يعكس أن خيار العمل المحدود على الأرض لم يعد خارج دائرة التفكير، حتى وإن لم يتحول بعد إلى قرار مُعلن بالتنفيذ.
لكن بين طرح الفكرة وبين القدرة على تنفيذها بنجاح مسافة هائلة؛ فالإنزال المباشر على الجزر الإيرانية، من الناحية العسكرية، يبدو أقرب إلى المغامرة شديدة الكلفة منه إلى العملية المضمونة. الجغرافيا هناك لا تخدم المهاجم بسهولة ؛؛ جزر ضيقة، قرب شديد من الساحل الإيراني، قابلية عالية للتعرض النيراني بالصواريخ والمسيّرات والزوارق السريعة والألغام، مع أفضلية واضحة للطرف المدافع المتمركز أصلا ً على الأرض.
ولذلك فإن أي قراءة منضبطة للمشهد ترجّح أن واشنطن إذا فكرت في تدخل بري، ستفكر في عملية محدودة الهدف والزمن، لا في إنزال واسع بالمفهوم التقليدي.
وفي هذا السياق، يبرز طرحٌ يتحدث عن إمكانية استخدام الشاطئ المقابل في الإمارات، وتحديدا ً عبر رأس الخيمة، كنقطة تمركز لوجيستي ونيراني لفرض سيطرة نيرانية على الممر الملاحي داخل مضيق هرمز .. هذا الطرح، رغم ما يحمله من منطق عسكري نظري يتعلق بتوفير عمق عملياتي للقوات الأمريكية، يظل حتى الآن في إطار الفرضيات التحليلية التي لم تدعمها مؤشرات معلنة أو تسريبات موثوقة وعليه، فإن التعامل معه يجب أن يكون بحذر وليس بوصفه سيناريو قائما ً، بل احتمالا ً فرضيا ً لا يمكن استبعاده ، ولكن يحتاج إلى معطيات أقوى قبل البناء عليه سياسيا ً أو استراتيجيا ً.
ومع ذلك، فإن جوهر التحذير يظل قائمًا ؛ لأن دخول أي دولة خليجية في الحرب بوصفها منصة مباشرة لعملية أمريكية، سواء برية أو نيرانية، سيجعلها عمليا ً داخل دائرة الرد الإيراني. فالمعادلة هنا لا تحتمل أنصاف الانخراط ؛ إما بقاء خارج الاشتباك، أو تحمّل كامل كلفته. وهذا يعني أن أي انزلاق في هذا الاتجاه قد يفتح الباب أمام ضربات صاروخية كثيفة ودقيقة تستهدف البنية التحتية والطاقة والمرافق الحيوية، بما يضع استقرار تلك الدول أمام اختبار غير مسبوق.
وهنا يجب التمييز بين التحذير المشروع وبين المبالغة الدرامية؛ فالتقدير المنضبط لا يقوم على تصوير اختفاء دول من على الخريطة، بقدر ما يقوم على فهم حجم الكلفة الاستراتيجية التي قد تتعرض لها إذا تحولت إلى ساحة مواجهة مباشرة.
الدقة تقتضي أن الخطر الحقيقي يكمن في الاهتزاز العنيف للدول اقتصاديا ً وأمنياً وهو ما قد تكون تداعياته طويلة الأمد وأكثر تعقيدا ً من أي خسارة عسكرية مباشرة.
كذلك ينبغي الحذر في قراءة الداخل الإقليمي ؛ فالحرب الممتدة إذا اتسعت قد ترفع منسوب التوتر الداخلي في بعض دول الخليج، خاصة في ظل وجود تنوعات مذهبية وتركيبة اجتماعية معقدة يمكن أن تتأثر بأي تصعيد إقليمي حاد.
غير أن هذا التأثير، رغم خطورته، لا يعني بالضرورة الانزلاق إلى سيناريوهات انهيار داخلي أو تحركات جماعية واسعة كما قد يتصور البعض ؛بل الأرجح أنه يظل في إطار ضغوط داخلية واضطرابات محدودة يمكن احتواؤها، ما لم تتجاوز الحرب حدودها الحالية وتتحول إلى صراع شامل مفتوح.
أما داخل الولايات المتحدة؛ فإن اتساع نطاق الاحتجاجات المناهضة للحرب يضيف عامل ضغط سياسي لا يمكن تجاهله، خاصة إذا طال أمد المواجهة وارتفعت كلفتها .. غير أن هذا العامل رغم أهميته لا يكفي وحده لوقف التصعيد إذا رأت الإدارة الأمريكية أن المعركة تمس توازناتها الاستراتيجية الكبرى.
الخلاصة أن السيناريو الذي لا نتمناه ليس مجرد إنزال بري في ذاته، بل ما قد يترتب عليه من سلسلة تفاعلات متصاعدة ؛ من رد ورد مضاد، ثم توسيع لدائرة الاشتباك، وصولا ً إلى مرحلة يصعب فيها احتواء الصراع داخل حدوده الحالية. فالمشكلة ليست في الخطوة الأولى، بل في ما بعدها.
ولهذا؛ فإن أخطر ما في المشهد ليس ما يحدث الآن، بل ما يمكن أن يحدث إذا خرجت الحسابات عن السيطرة. فحين تتحول العمليات المحدودة إلى مسار مفتوح، لا تعود الجغرافيا قادرة على احتواء النيران، ولا تبقى الحدود كافية لمنع امتدادها.
