
بقلم: زاهر مُرّة
صادف يوم 30 آذار 2026، الذكرى التاسعة والأربعون لرحيل أسطورة الغناء العربي عبد الحليم حافظ… في مفارقةٍ جميلة، تتقاطع مع يوم الأرض الفلسطيني، وكأن الحنين في هذا التاريخ يختار أن يتكثّف، صوتاً وأرضاً وذاكرة.
رحمك الله يا حليم ❤️
الصوت الذي لم يعرف الغياب يوماً…
عندما رحل، كنت في الرابعة من عمري، فلم تسعفني الذاكرة أن أحتفظ بصور واضحة عنه… لكن والدي كان الجسر الذي أخذ بيدي إلى عالمه.
في مطلع الثمانينات، بدأت الحكاية… كانت البداية مع سواح، ثم جبار… ومنذ تلك اللحظة، لم يعد حليم مجرد مطرب، بل أصبح رفيق العمر، وصوت اللحظات الصادقة.
وفي زمنٍ جميل، زمن أشرطة الكاسيت، بين عامي 1994 و1995، وأيام دراستي للطب في دمشق… أتذكر كيف طلب مني عمي في بلجيكا أن أرسل له مجموعة من أغاني حليم. دلّني صديق سوري على محل في الصالحية، غاب اسمه من الذاكرة، لكن أثره بقي محفوراً… لأن الوجهة كانت دائماً واحدة: حليم.
وكان والدي يروي لي، بحنينٍ لا يُنسى، قصة لقائه مع حليم في برمانا، في منتجع “برنتانيا بلاس” بجبال لبنان أوائل السبعينات… كيف جلس بينهم ببساطته، وغنّى مقطعاً صغيراً، وكأن الزمن انحنى احتراماً لصوته.
لم يكن عبد الحليم حافظ مجرد صوتٍ جميل… بل كان مدرسةً فنيةً كاملة.
تعامل مع كبار عمالقة التلحين، وصنع معهم تاريخاً لا يُعاد:
• مع رياض السنباطي، قدّم عمق الطرب الأصيل والإحساس المرهف.
• ومع بليغ حمدي، رسم ملامح التجديد والانطلاق، فكانت الأغنية أكثر جرأة وحياة.
• ومع محمد الموجي، صنع البدايات الحقيقية التي حملت بصمته الخاصة.
• أما مع محمد عبد الوهاب، فكان اللقاء بين مدرستين، أفرز أعمالاً خالدة لا تموت.
• ومع كمال الطويل، ارتبط بالأغنية الوطنية والعاطفية التي لامست وجدان الناس بصدقٍ نادر.
كان حليم يعرف كيف يكون صوت كل ملحّن، دون أن يفقد هويته… وهذه عبقرية لا تتكرر.
رحمك الله يا حليم…
ما زلت حاضراً فينا، في تفاصيلنا، في ذاكرتنا، في تلك اللحظات التي لا نجد فيها إلا صوتك ليعبّر عنا.
