أيلول … والورَقُ الأصفر

آخر تحديث : الجمعة 11 أغسطس 2023 - 1:36 مساءً
بقلم: جوزف الهاشم
بقلم: جوزف الهاشم

وقُـلْ : إنّـه حـلَّ علينا شهر أيلول باليُمْنِ والأمـن ، وحلَّت البركة الرسولية على الأقطاب والنواب ، فماذا بقـيَ من لبنان ، ليجتمع فرسان الطاولة المستديرة في أيلول وينتخبوا لهذا اللبنان رئيساً …؟

وما هي الآيات التي ستهبط على الضالّين في أيلول …؟ وهل في أيلول يصبحون لبنانّيين أكثر ومسؤولين أكثر ويتقلّص عن وجوههم الإصفرار ، مع أنَّ أيلول كما تقول أغنية للسيدة فيروز “ورَقـو أصفر” .

ومع أنّ أهل “أثينا” القدماء كانوا في شهر أيلول يمجّدون أبطالهم ويقيمون فيه الأعراس ، فإنّ أبطال أهل البيت عندنا يضربون بالطبل وأهل البيت يرقصون.

أيُّ ساحر من سحَـرَةِ الـدول الخمس قادرٌ بعدُ في شهر أيلول ، على استخراج الأرنب من الأكمام ، وقد استُهلِكَتْ عندنا “جزيرة الأرانب” بأكملها .

وقـلْ : إنـه هبط الرئيس على القصر بفعل أعمال السحر ، فماذا بقـي للحكم من لبنان النازف هزيلاً بين أَلْسنة النار وركام الإنهيار .

هل يستطيع عالِـمٌ أو مؤرخٌ أو فيلسوف أنْ يدلَّنا على معلَمٍ واحدٍ بـاقٍ من معالم لبنان الحضارية والديمقراطية والنموذجية ، ولبنان الدولة والجمهورية والمؤسسات والشعب العظيم …؟

وإنَّ لبنان الذي قال فيه الشاعر الفرنسي “لامرتين” : “كأنّـك تـرى فيه وقْـعَ قدميّ اللـه” كيف أصبح في المهاوي الجهنميّة وكأنك تـرى فيه وقْـعَ قدمي الشيطان …؟

وقبل هذا الرئيس أو ذاك ، هل يتبرَّع محقّـقٌ أو قاضٍ في مجلس قضاءٍ أعلى أو محكمة عـدلٍ دولية ، ويقول لنا منْ هو المسؤول عن هذا الإنسحاق الكبير الذي حـلَّ بوطـنٍ عمرُه من عمـر التاريخ …؟

ومع فجيعةِ المأساة ، لا يزال الذين حكموا يحدِّثونك متباهين عن الإنجازات وكأنّ في الهزيمة انتصاراً ، وفي لبنان المحطّم انتصاراً ، ولم يبـقَ إلاَّ أنْ تُوزَّع الأوسمة على الصدور .

هذا يذكّرنا بالأمبراطور نابوليون الذي غـزا روسيا (1812) بجيش جـرّار وعـاد خائباً بنصفِ جيش ، وقد اعتبر مع ذلك أنـه حقّـق انتصاراً لأنه استطاع أنْ يصل إلى موسكو ويتسبّب بإحراقها .

هكذا يصبح الطموح النابوليوني الرئاسي كأنّه أشبـهُ بالغزو : الإنتصار فيه هو الوصول إلى القصر ، حتى ولو كان وراء هذا الإنتصار إحراقُ وطـن .

في أيلول ، يبشّرنا المندوب الفرنسي جان أيـف لودريان ، بإقامة الحوار : والموضوع يتحدّد بالمواصفات ، أما أسماء المرشحين للرئاسة فهو شأن داخلي حرصاً على السيادة اللبنانية ، هذه السيادة التي ترتكب باسمها الجرائم .

وتظلّ المشكلة على حالها : مشكلة المواصفات ومشكلة الأسماء ، ولكلّ فريق مرشّح ومواصفات ، وكلٌّ لا يـرى المواصفات إلاّ تلك التي تنطبق على مرشحه .

تختلفون حـول المواصفات والرئاسة والسيادة ، خذوها إذاً من الإمام علي بن أبي طالب وهو يختصرها بكلمات : “إنّ مَـنْ يستحقّ السيادة لا يصانع ولا يخادع ولا تغـرّهُ المطامع ..”

هناك من يعـوِّلُ على حـوار آخر : هو الحوار المعجّل المكرّر بين حزب اللـه والتيار الوطني الحـر ، بالرغم من الخلاف “الفكري والعقائدي والإيديولوجي بينهما” كما قال النائب جبران باسيل ، فضلاً عن اتهامه الحزب بتقليص سيادة الدولة .

حزب اللـه أعلن غير مـرة أنـه لم غيّر موقفه ولا يـرى عن سليمان فرنجية بديلاً ، ورئيس التيار يرفض رئاسة فرنجية ويطرح اللامركزية الإدارية والمالية و”الكهربائية” الموسعة ، وهو ما يرفضه حـزب اللـه ، فمن إذاً يتراجع ومن يرضخ لـمَن ..؟

ومع أن النائب جبران يحلّق “بأجنحة متكسرة” مع الريح حيناً وبعكس الريح أحياناً فإنّ حزب الله هو الذي يمسك بالخيط الرفيع الذي يحرّك في الفضاء الأدنى طائرة مسيّرة من ورق .

إذا ما استمرّ الأقطاب والنواب وأصحاب الألقاب يمارسون المسؤولية الوطنية البتراء ، والثقافة السياسية الخرقاء قلا تستبشروا كثيراً بشهر أيلول ، ومع أنّ شهر آب قد تفجّرت فيه بيروت واحترقت باللّهب ، فقد يُخشى أنْ يحـلّ علينا شهر أيلول الرئاسي كما حـلّ على الشاعر العباسي “إبـن المعتـزّ” وقد ولـيّ الخلافة يوماً واحداً وبعض اليوم فقال :

أحرقَنا أيلولُ بنـارِهِ

فرحمةُ اللـهِ على آبِ .

*كاتب المقال: وزير لبناني سابق.

رابط مختصر
2023-08-11
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة العربي الأفريقي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

حاتم عبدالقادر