حروب الظل.. والدور الأوكراني الجديد

منذ 6 ساعاتآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: اللواء مصطفى زكريا

هل تحولت أوكرانيا إلى شركة أمن خاصة تعمل لحساب الولايات المتحدة؟

قد يبدو التعبير مجازيا ً صادما ً
لكنه يقترب كثيرا ً من توصيف واقع يتشكل أمامنا بهدوء، دون إعلان، ودون اعتراف رسمي. فنحن لم نعد أمام دولة تقاتل داخل حدودها، بل أمام كيان يتم الدفع به خارج جغرافيته، ليفتح مسارح جديدة للصراع، وينفذ أدوارا ً تتجاوز قدراته، ضمن شبكة تحركات أوسع تستهدف خصوما ً محددين في مقدمتهم روسيا.

ما يدعم هذا الطرح لم يعد مجرد تحليل بل مؤشرات ميدانية تتزايد ؛ تقارير عن وجود عناصر أوكرانية في ليبيا وتنسيق مع أطراف محلية، واتهامات روسية مباشرة بتنفيذ هجمات بحرية من السواحل الليبية، وتوسع نطاق العمليات ليشمل المتوسط وليس فقط الجبهة الأوكرانية، إلى جانب زيارة زيلينسكي إلى الخليج في ذروة التوتر الإقليمي، بما تحمله من دلالات تتجاوز الدعم السياسي، وتشير إلى تهيئة مسرح عمليات جديد خارج نطاق الحرب التقليدية.

بمعنى واضح أن أوكرانيا لم تعد ساحة حرب فقط؛ بل أصبحت أداة لفتح ساحات حرب من نوعٍ آخر.

تحت قيادة فولوديمير زيلينسكي، لم تعد الحركة الأوكرانية محصورة داخل حدود المواجهة المباشرة، بل بدأت تتجه إلى ما هو أخطر عن طريق فتح مسارح عمليات جديدة خارج نطاق الحرب التقليدية؛ ساحات لا تُعلن، ولا تُدار بجيوش نظامية، لكنها تحمل نفس الأهداف: الاستنزاف، الضغط، وإعادة تشكيل موازين القوة.

زيارة زيلينسكي إلى الخليج لم تكن تحركا ً دبلوماسيا ً عاديا ً، بل جاءت في لحظة شديدة الحساسية، حيث يتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتتداخل التحالفات مع روسيا، بينما يمثل الخليج مركز ثقل الطاقة العالمي.
في هذا التوقيت، يصبح التحرك الأوكراني أقرب إلى تموضع داخل ساحة قابلة للاشتعال، وليس مجرد تواصل سياسي عابر .. والهدف هنا لا يبدو دعماً
تقليديا ً، بل تهيئة بيئة قابلة لاستيعاب نمط جديد من العمليات من خلال نقل خبرات الحرب غير التقليدية، وبناء قنوات تنسيق غير معلنة، وقراءة ميدانية لساحة قد تتحول إلى امتداد جديد للصراع.

وفي المقابل، تبدو ليبيا كأنها النموذج الأكثر وضوحا ً لهذا التحول.. ساحة رخوة، مزدحمة بالقوى، ومفتوحة على احتمالات لا نهائية . . مع وجود روسي غير مباشر عبر مجموعة “فاجنر”، وحضور تركي عسكري وسياسي يعكس طموحات إقليمية في شرق المتوسط، إلى جانب مصالح غربية متشابكة، كلها عوامل تجعل من ليبيا بيئة مثالية لحروب الظل .. وفي مثل هذه البيئات؛ لا تتحرك القوى الكبرى بشكل مباشر، بل عبر أدوات مرنة قادرة على العمل دون بصمة واضحة.

وهنا يظهر النمط الأوكراني بوضوح ؛ بنقل خبرات القتال الحديثة، العمل داخل بيئات يصعب ضبطها، استهداف غير مباشر لمصالح الخصم، والأهم من ذلك التغلغل داخل البنية الرقمية للدول، ومحاولة زرع موطئ قدم في أنظمتها السيبرانية بما يسمح بالاختراق، والتعطيل، وإدارة الصراع من داخل العمق دون إطلاق رصاصة واحدة.
نحن لم نعد فقط أمام تطور في أدوات الحرب، بل أمام انتقال كامل إلى مستوى جديد من إدارة الصراع.

ليست القضية في رقم هنا أو واقعة هناك؛ بل في اتجاه كامل يتشكل يقول إن المعركة لم تعد تُخاض حيث بدأت، بل حيث يمكن التأثير دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، و لم تعد الجغرافيا قيدا ً، ولم يعد ميدان القتال محددا ً، بل أصبح مفتوحا ً على كل ساحة يمكن أن تُستثمر لصالح طرف على حساب آخر.

وعندما نربط بين الخليج وليبيا، تتضح الصورة أكثر؛ فالقاسم المشترك بينهما ليس فقط الموقع، بل الطاقة .. حيث يمثل الخليج مركز إنتاج عالمي، وليبيا بوابة بديلة وممر استراتيجي، والمتوسط ساحة تنافس مفتوحة .. وفي هذا الإطار، لا تبدو العمليات غير المعلنة أحداثا ً منفصلة، بل أدوات داخل معركة أكبر عنوانها السيطرة على شرايين الطاقة وإعادة توزيع النفوذ.

بالنسبة لمصر، فإن هذه التحولات ليست بعيدة؛ فليبيا تمثل عمقا ً استراتيجيا ً مباشرا ً، وأي اختلال فيها ينعكس فورا ً على الأمن القومي، كما أن ملف الطاقة أصبح جزءا ً من معادلة الاستقرار .. ومع دخول أطراف تتحرك بمنطق “حروب الظل” إلى هذه الساحة، يصبح التهديد أكثر تعقيدا ً، لأنه لم يعد تقليديا ً أو مباشرا ً، بل متعدد المستويات ومفتوحا ً على سيناريوهات غير محسوبة.

العالم لا يدخل حربا ً جديدة؛ بل يدخل شكلا ً جديدا ً من الحروب التي تُدار من الخلف، وتُفتح لها مسارح دون إعلان، وتُنفذ بأدوات تبدو مستقلة لكنها تتحرك داخل حسابات أكبر.
وأوكرانيا، في قلب هذا التحول، لم تعد فقط دولة تقاتل، بل أصبحت أداة تُستخدم لفتح الجبهات وتحريك الصراع وإعادة توزيع النفوذ.
إنها لم تعد ساحة حرب؛ بل صانعة مسارح حرب.

الاخبار العاجلة