
بقلم: إبراهيم خليل
كلما تصاعدت الأحداث واشتعلت النيران بين أمريكا وإسرائيل وإيران ، كلما اقتربت النهاية كما حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات متعددة ومتتالية بأن الحرب ستستغرق من أربع إلى ستة أسابيع. ويرى العديد من المحللين أن ترامب وجد نفسه يغرق في مستنقع إيراني كبير لا يعرف مداه أو نهايته، خصوصًا أن إيران تفاجئ ترامب ونتنياهو كل يوم بمفاجآت مختلفة سواء في نوعية سلاحها أو دقة ضرباتها للعمق الإسرائيلي، الذي أدى إلى إيقاف شبه كامل للحياة الاقتصادية في إسرائيل، إذ أصبح الإسرائيليون يعيشون في الملاجئ أكثر مما يعيشون في منازلهم أو مكاتبهم بسبب تزايد وتعدد الضربات الصاروخية الإيرانية.
ومضى على بدء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية شهر وسبعة أيام، والإسرائيليون يجلسون ويهربون إلى الملاجئ ليل نهار، مما تسبب في أضرار اقتصادية واجتماعية تمثلت في توقف شبه كلي للدراسة في المدارس والجامعات، ودخول الآلاف إلى المستشفيات بغرض العلاج النفسي. حتى جنود الاحتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتفعت نسبتهم إلى حوالي 43%، بخلاف حالات الانتحار المتزايدة التي سجلت أعلى مستوياتها منذ نشأة الجيش الإسرائيلي. والوصف الحقيقي للحالة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي هو حالة الإنهاك النفسي والاجتماعي، الذي يؤثر بشكل أو بآخر على الهجرة المضادة وهروب الآلاف من الإسرائيليين عبر ميناء طابا البري إلى أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية.
وفي هذه الأجواء، فإن إسقاط النظام الإيراني أو حتى سحق قدراته لن يحقق السلام الذي يتحدث عنه نتنياهو ولن ينهي دوامات العنف، لأن تجاهل حقوق الفلسطينيين وعلى رأسها حق تقرير المصير سيبقي جذور الصراع قائمة. وما زاد الطين بلة القانون الذي أصدره الكنيست الإسرائيلي بعدد أصوات 62 مقابل 48، والذي يعطي الحق لإسرائيل بإعدام الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين، ولا يطبق على الإسرائيليين الذين يقتلون الفلسطينيين. هذا القانون الذي لاقى إدانات دولية باعتباره قانونًا عنصريًا ضد الفلسطينيين، يُنتظر أن يؤدي إلى اتساع رقعة الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين وفتح جبهات جديدة ضد إسرائيل من الداخل سواء في الضفة الغربية أو غزة. ويعزز هذا القانون ما يسمى “خيار شمشون” للفلسطينيين، وهو “عليّ وعلى أعدائي”، وإغلاق كل منافذ التنفس لمستقبل أفضل للفلسطينيين وتعميق الهوة القاتلة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
واللافت أيضا أن الإدارة العسكرية الإسرائيلية قد سمحت لوكالات الأنباء بتصوير ونقل حالات الدمار الكبيرة في أحياء تل أبيب نتيجة ضربها بالصواريخ الإيرانية، وهو ما يثير علامات استفهام حول هذا السماح الذي لا يعرف أحد ماذا تريد إسرائيل من ورائه: هل هو التعاطف العالمي أم أن يكون ضمن أوراق التفاوض حول التعويضات المادية؟ والأجواء التي تعيشها إسرائيل وأمريكا من جانب، ومن جانب آخر إيران، ربما يطلق عليها وصف “المراهنة على من يسقط أولًا: إيران أم إسرائيل وأمريكا”، حتى تبدأ المفاوضات للحصول من كلا الطرفين على ما يؤهله أن يعلن أنه هو المنتصر أو يحقق العديد من الأهداف التي يتباهى بها أمام شعبه. سواء ترامب الذي يعلن كل يوم أنه هو المنتصر وأن إيران استسلمت وهو في انتظار إعلان إيران رفع الأعلام البيضاء، أو إيران التي تريد أن تعلن لشعبها عدم تكرار أمريكا وإسرائيل مهاجمتها مرة أخرى، وكذلك إسقاط كافة العقوبات الاقتصادية ضدها وفرض رسوم على مرور السفن في مضيق هرمز واستمرار برنامجها النووي السلمي.
والغريب والمثير فى آن واحد أن صحيفة “ديلي ميل” البريطانية قد رصدت أن مدينة تل أبيب شهدت ظهور آلاف الغربان السود وهي تحلق فوق المباني الشاهقة، بما في ذلك أبراج “عزرايلي” الشهيرة التي تقع في وسط تل أبيب، وكانت في السابق مكان لتجميع النفايات وتعتبر من معالم إسرائيل الحديثة. وهي عبارة عن ثلاث ناطحات سحاب بأشكال هندسية: دائري ومثلث ومربع، وبها أكبر المراكز التجارية والفنادق والمكاتب في إسرائيل. في مشهد وصفه كثيرون بأنه نذير شؤم، وربط العديد من المشاهدين هذا التجمع الغريب من الغربان السود بالتوترات المستمرة بين إسرائيل وإيران، مستشهدين بنصوص دينية توراتية مثل سفر الرؤيا الذي يربط الطيور بالهزيمة في الحرب. ففي سفر الرؤيا الفقرة 17:19 يُوصف مشهد حيث تأتي الطيور لتأكل جثث الجيش المهزوم. حيث أظهر الفيديو المتداول على الإنترنت مشاهد غريبة لأسراب ضخمة من الغربان كغيوم داكنة، وهو ما أثار دهشة السكان الإسرائيليين وكذلك المشاهدين لهذا الفيديو من حجم الهجرة الكبيرة للطيور، على أنها رسالة لهزيمة إسرائيل.
وما يؤكد ذلك أيضًا أن إيران أصبحت ترى أن قدرتها على التحمل تفوق قدرة إسرائيل وأمريكا، لاعتمادها الكلي على المسيرات الخفيفة التي لا تحتاج إلى بنية تحتية عسكرية، منخفضة التكلفة ومرنة التشغيل، تنطلق من منصات إطلاق بسيطة وتحمل على الشاحنات العادية ويصعب رصد أماكن منصات إطلاقها. بخلاف أنه تم تحديثها في روسيا لتكون أكثر قوة ودقة في إصابة الأهداف، على العكس تمامًا من إسرائيل وأمريكا اللتين تعتمدان على منظومة عسكرية ثقيلة إذا تم تدميرها تحتاج إلى وقت طويل للإصلاح أو إعادة التأهيل.
وعلى خلفية هذه الأجواء والتطورات العسكرية والوساطات، أصبح الدور المصري إيجابيًا وفاعلًا لوقف التصعيد كخطوة أولى وإنهاء الحرب كخطوة ثانية. ولم يمضِ على مناشدة الرئيس السيسي للرئيس الأمريكي ترامب بوقف الحرب، قائلاً إنه لا أحد يستطيع وقف الحرب سواك، عدة ساعات إلا وكان رد الفعل الأمريكي سريعًا ومتجاوبًا، إذ أعلن البيت الأبيض أنهم مستعدون لإنهاء الحرب. فى هذا الإطار لم يكن ذلك موقفًا سياسيًا فقط، بل نهجًا إنسانيًا راسخًا يعكس قيم القيادة المصرية والدور القومي والإقليمي لمصر، ولا يستطيع أحد مهما كان صغيرًا أو كبيرًا أن يقلص دور مصر الذي كان فعّالًا وصادقًا في بدء المفاوضات غير المباشرة بين أمريكا وإيران.
*كاتب المقال: رئيس تحرير مجلة روز اليوسف الأسبق.
