بعد وصول أول فوج من الجيش الباكستاني إلى الرياض.. كيف تلعب إسلام آباد دور الحليف للسعودية والوسيط مع إيران؟

منذ 37 دقيقةآخر تحديث :
بعد وصول أول فوج من الجيش الباكستاني إلى الرياض.. كيف تلعب إسلام آباد دور الحليف للسعودية والوسيط مع إيران؟
فاطمة خليفة:

تتصاعد الأوضاع في الشرق الأوسط؛ ويتصاعد معها نجم دولة باكستان كدولة إقليمية كبرى متعددة الأدوار. في مشهد يكشف واحدة من أكثر السياسات الإقليمية تعقيدًا في الشرق الأوسط وآسيا.

 

 في الوقت الذي ترسل فيه باكستان آلاف الجنود والمقاتلات إلى السعودية، وتعزز تعاونها العسكري مع الرياض وسط تصاعد الحرب مع إيران؛ تواصل إسلام آباد في الوقت نفسه لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وتحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع القيادة الإيرانية، 

 

هذا التناقض الظاهري أعاد طرح سؤال قديم يتكرر مع كل أزمة إقليمية كبرى، هل تقف باكستان فعليًا إلى جانب السعودية باعتبارها حليفها التقليدي، أم أنها تحاول الحفاظ على شراكة هادئة مع إيران أيضًا؟ 

 

وكانت وكالة رويترز قد كشفت في تقرير لها اليوم أن باكستان نشرت قوات ومعدات عسكرية داخل السعودية ضمن اتفاق دفاعي واسع بين البلدين، في خطوة تزامنت مع تحركات دبلوماسية باكستانية مكثفة على خط الأزمة الإيرانية الأمريكية، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة الدور المزدوج الذي تلعبه إسلام آباد بين التحالف العسكري مع الرياض، والوساطة السياسية مع طهران.

 

ويأتي ذلك بعد زيارة وصفت بالسرية أجراها وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران أمس، حيث التقى مسؤولين إيرانيين كبارًا وبحث تطورات الحرب والجهود السياسية لاحتواء التصعيد، قبل أن تحمل إسلام آباد رسالة إيرانية إلى واشنطن سُلّمت اليوم عبر القنوات الدبلوماسية، بحسب ما تحدثت عنه تقارير ومصادر متابعة لمسار الوساطة. 

 

وتظهر هذه التحركات أن باكستان لا تتحرك فقط كحليف أمني للسعودية، بل أيضًا كقناة اتصال نشطة بين إيران والولايات المتحدة في واحدة من أكثر لحظات المنطقة حساسية

 

التحالف التاريخي مع السعودية.. المال والدفاع والسياسة

على مدى عقود، ارتبطت باكستان بعلاقة استراتيجية عميقة مع السعودية، تجاوزت حدود التعاون السياسي التقليدي إلى شراكة أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة.

 

فالسعودية تعد واحدة من أكبر الداعمين للاقتصاد الباكستاني، سواء عبر المساعدات المالية أو الاستثمارات أو التسهيلات النفطية، بينما شكلت باكستان لعقود مصدرًا مهمًا للخبرات العسكرية والأمنية التي اعتمدت عليها الرياض في مراحل مختلفة.

 

وخلال العقود الماضية، شارك آلاف الجنود الباكستانيين في مهام تدريب وحماية داخل السعودية، كما احتفظ الجيش الباكستاني بعلاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية السعودية، وصلت أحيانًا إلى مستوى التنسيق الدفاعي شبه المباشر.

 

التقرير الحصري الذي نشرته وكالة رويترز حول نشر باكستان آلاف الجنود ومقاتلات ومنظومات دفاع جوي داخل السعودية، أعاد تسليط الضوء على هذا التحالف العميق، خاصة مع الحديث عن اتفاق دفاعي يسمح مستقبلًا بإرسال عشرات الآلاف من الجنود الباكستانيين إذا تطورت الحرب مع إيران.

 

لكن رغم هذا التقارب، لم تذهب إسلام آباد يومًا إلى حد الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران لصالح الرياض، حتى في أكثر الفترات توترًا بين الجانبين.

 

لماذا لا تستطيع باكستان معاداة إيران؟

الجغرافيا وحدها تجعل من الصعب على باكستان الدخول في خصومة شاملة مع إيران. فالبلدان يتشاركان حدودًا طويلة تمتد لمئات الكيلومترات، كما تواجه الدولتان تحديات أمنية متشابهة في المناطق الحدودية، تشمل التهريب والجماعات المسلحة والانفلات الأمني في إقليم بلوشستان الممتد بين الجانبين.

 

كذلك تدرك إسلام آباد أن أي صدام مباشر مع طهران قد يشعل توترات داخلية معقدة، في بلد يضم أقلية شيعية كبيرة، ويعاني أصلًا من حساسيات مذهبية وأمنية مزمنة.

 

لهذا حاولت باكستان تاريخيًا تجنب الانخراط الكامل في المحاور المعادية لإيران، حتى عندما كانت أقرب سياسيًا وعسكريًا إلى السعودية ودول الخليج.

 

وظهر هذا بوضوح عام 2015، عندما رفض البرلمان الباكستاني الانضمام العسكري المباشر إلى الحرب في اليمن، رغم الضغوط الخليجية آنذاك، مفضلًا التزام الحياد لتجنب خسارة العلاقة مع طهران.

 

الوسيط الذي يفهم الطرفين

ما يمنح باكستان قدرة خاصة على لعب دور الوسيط، هو أنها تمتلك علاقات عملية مع الطرفين في الوقت نفسه.

 

فالقيادة الباكستانية تفهم الحسابات الأمنية الخليجية، بحكم شراكتها الطويلة مع السعودية، لكنها أيضًا تدرك طريقة تفكير إيران، سواء بسبب الجوار الجغرافي أو تجربة الضغوط الغربية والملف النووي.

 

هذا الموقع جعل إسلام آباد تتحرك خلال فترات التصعيد الأخيرة كقناة خلفية لنقل الرسائل بين واشنطن وطهران، مستفيدة من حقيقة أن إيران لا تنظر إليها باعتبارها “خصمًا مباشرًا” كما تنظر إلى بعض القوى الإقليمية الأخرى.

 

وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة والسعودية أن باكستان لا تزال حليفًا أمنيًا يمكن الاعتماد عليه، حتى لو احتفظت بعلاقة حذرة مع إيران.

 

كيف تقيم طهران التقارب الباكستاني السعودي؟

تدرك طهران أن باكستان تستطيع عمل توازن بين تحالفها العسكري مع السعودية وبين علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.

وترى طهران إن إسلام آباد تختلف عن حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة؛ فهي دولة سبق أن اصطدمت بالولايات المتحدة بسبب برنامجها النووي، وتعرضت لعقوبات وضغوط غربية، كما أنها ترتبط بعلاقة استراتيجية قوية مع الصين.

 

هذا التعقيد يجعل إيران تتعامل مع باكستان باعتبارها حليفًا غير معادٍ، حتى لو لم تكن حليفًا كاملًا بالمعنى السياسي.

 

كما أن إسلام آباد تحاول بدورها الاستفادة من هذا الموقع، عبر تقديم نفسها كقوة قادرة على التواصل مع جميع الأطراف، وهو ما يمنحها وزنًا سياسيًا أكبر من قدراتها الاقتصادية الفعلية.

 

الجيش الباكستاني.. اللاعب الحقيقي في المعادلة

في أي نقاش يتعلق بالسياسة الخارجية الباكستانية، يبقى الجيش هو العامل الأكثر تأثيرًا.

 

فالمؤسسة العسكرية الباكستانية لا تنظر إلى علاقتها بالسعودية وإيران من زاوية أيديولوجية فقط، بل من منظور الأمن القومي والتوازن الإقليمي.

 

ولهذا تحاول الحفاظ على المعادلة الصعبة، التي تجمع بين حماية التحالف الاستراتيجي مع الرياض، دون دفع إيران إلى موقع العداء الكامل، وبين الحفاظ على خطوط التواصل مع واشنطن، مع توسيع الشراكة مع الصين في الوقت نفسه.

 

هذه السياسة جعلت باكستان تتحرك أحيانًا كأنها “تقف في المعسكرين معًا”، لكنها في الواقع تحاول منع أي معسكر من التحول إلى تهديد مباشر لها.

 

هل تستطيع باكستان الاستمرار في هذا التوازن؟

السؤال الأصعب اليوم لا يتعلق فقط بمن تدعم باكستان، بل بقدرتها على الاستمرار في هذا التوازن إذا تحولت المواجهة الإيرانية الخليجية إلى حرب إقليمية مفتوحة.

 

فكلما تصاعدت الحرب، ستجد إسلام آباد نفسها أمام ضغوط أكبر لاتخاذ موقف أوضح، خصوصًا مع تعمق تعاونها العسكري مع السعودية، وفي ظل حساسيات العلاقة مع إيران.

 

لكن حتى الآن، يبدو أن القيادة الباكستانية تراهن على أن دور الحليف للجميع، أكثر فائدة من الانحياز الكامل لأي محور، خاصة في منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتُدار فيها الأزمات أحيانًا عبر القنوات الخلفية أكثر من ساحات المواجهة المباشرة.

 

وفي هذا المشهد المعقد، لا تبدو باكستان مجرد وسيط بين الرياض وطهران، بل لاعبًا إقليميًا يحاول تحويل موقعه الجغرافي وعلاقاته المتشابكة إلى مصدر قوة سياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. فهل تتحرك إسلام آباد وفق سياسة “التوازن الإجباري”، أم أنها تمارس لعبة سياسية مزدوجة تسمح لها بالبقاء قريبة من جميع الأطراف؟

الاخبار العاجلة