راحة البال.. وما هو البال؟

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

نردد كثيرا ً عبارة “راحة البال”.. لكن قليلين من يتوقفون ليسألوا أنفسهم:
وما هو “البال” أصلا ً؟
هل هو العقل؟ أم القلب؟ أم التفكير؟ أم تلك الحالة الخفية داخل الإنسان التي تجعله مطمئنا ً حتى وسط الفوضى؟

ولعل جمال التعبير القرآني في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾

يكشف لنا أن القضية أعمق كثيرا ً من مجرد راحة مؤقتة أو شعور عابر بالسعادة .. فالقرآن لم يقل: “أراحهم” بل قال:
﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾
وكأن المعنى هنا يشير إلى شيء أعمق من الراحة العابرة إلى الداخل نفسه.
إلى النفس حين تهدأ، والقلب حين يطمئن، والعقل حين يتوقف عن الصراع المستمر.

فالبال في معناه الواسع ليس مجرد التفكير، بل هو حالة الإنسان الداخلية بالكامل.
هو ذلك الاتزان الخفي الذي إذا صلح؛ شعر الإنسان وكأن الدنيا أصبحت أخف وطأة، وإذا فسد؛ لم تنفعه أحيانا ً كل أسباب الراحة الخارجية.

ولهذا؛ قد يملك الإنسان المال والمكانة والعلاقات، ومع ذلك يعيش قلقا ً لا يتوقف.
بينما قد يعيش آخر حياة بسيطة جدا ً، لكنه يشعر بسكينة لا تُشترى.

لأن راحة البال ليست شيئا ً ماديا ً يمكن امتلاكه، بل حالة داخلية يصعب وصفها، لكن الإنسان يشعر بفقدانها فورا ً حين تضيع منه.
وربما لهذا أصبحت راحة البال اليوم من أندر الأشياء في هذا العصر.
فالإنسان يعيش وسط ضجيج لا ينتهي: مقارنات، وضغوط، وسرعة، وخوف من المستقبل،
ومعارك يومية، وعلاقات تستنزف الروح، وأفكار لا تتوقف.
حتى أصبح كثيرون يبتسمون أمام الناس .. بينما عقولهم لا تنام.
ومن هنا؛
لا يكون فساد البال دائما ً بسبب أزمة كبيرة .. فأحيانا ً يفسده تراكم صغير ومستمر من القلق والصراع الداخلي وعدم الرضا.
فالإنسان حين يعيش بعيدا ً عن نفسه، أو يحمل فوق قلبه ما لا يستطيع احتماله، أو يطارد رضا الجميع، أو يدخل معارك تستنزف روحه .. يفقد شيئا ً داخليا ً لا يعوضه شيء آخر.
ولهذا؛
فإن إصلاح البال لا يبدأ من الخارج فقط، بل يبدأ من الداخل .. من التصالح مع النفس، ومن تخفيف الضجيج،
ومن الرضا، ومن الإيمان بأن ليس كل ما يتمناه الإنسان خيرا ً له، وأن بعض ما يحدث له قد يكون حماية ً لا حرمانا ً.
كما يبدأ أيضا ً من اختيار الأشخاص الذين لا يسرقون سلامك الداخلي، والابتعاد عن كل ما يستهلك الروح دون معنى.

فالإنسان لا يحتاج دائما ً إلى حياة مثالية .. بقدر ما يحتاج إلى قلب هادئ.
وقد ينجو الإنسان من أزمات كثيرة؛ لكنه إذا فقد سلامه الداخلي، شعر وكأنه خسر كل شيء.

ولذلك ؛؛؛
ربما كانت أعظم نعمة يمنحها الله للإنسان؛ ليست وفرة المال،
ولا كثرة العلاقات، ولا حتى النجاح نفسه، بل أن يُصلح الله باله.

الاخبار العاجلة