
بقلم: مصطفى زكريا
في كل مرة تواجه فيها الدولة تحديات اقتصادية، ينصرف التركيز غالبا ً إلى المواطن:
ترشيد الاستهلاك، تحمل ارتفاع الأسعار، زيادة الإنتاج، ودفع المزيد من الرسوم والأعباء.
لكن السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح بالتوازي:
هل تمت مراجعة كل مصادر الهدر والخسائر والخلل الإداري داخل مؤسسات الدولة بنفس القدر من الجدية؟
فأي إصلاح اقتصادي حقيقي لا يبدأ فقط بزيادة الإيرادات، بل يبدأ أولا ً من تقليل النزيف، وإعادة ضبط منظومة الإدارة، ومواجهة التشوهات التي تحولت بمرور الوقت إلى “أمر واقع” يدفع المواطن ثمنه يوميا ً.
ومن هنا؛
لا يمكن تجاهل ملفين شديدي التأثير:
المحليات، وبعض مؤسسات القطاع العام الخاسرة.
فالمحليات ليست مجرد جهاز إداري عادي، بل هي الجهة الأكثر التصاقا ً بحياة المواطن وتشمل النظافة، الطرق، التراخيص، الإشغالات، التنظيم،
ومتابعة الخدمات اليومية.
لكن المشكلة لا تتوقف فقط عند ضعف الإمكانيات أو الروتين أو البيروقراطية، بل تمتد أحيانا ً إلى أزمة أخطر تتعلق بتداخل الاختصاصات والسلطات بين بعض أجهزة الإدارة المحلية والمحافظين في عدد من الملفات والقرارات التنفيذية.
وهي نقطة شديدة الحساسية لأن المواطن في النهاية لا يرى التعقيدات الإدارية، بل يرى فقط النتيجة من خلال قرار متعطل، خدمة متأخرة، أو ملفا ً يظل معلقا ً بين أكثر من جهة.
ففي بعض الأحيان تصبح بعض القرارات رهن التوافق بين السلطة التنفيذية للمحافظة وبعض الأجهزة المحلية، أو العكس، فتتداخل المسئوليات بصورة تجعل تحديد صاحب القرار أو المسئولية أمرا ً غير واضح .. والنتيجة الطبيعية لذلك تتمثل في بطء التنفيذ،
وتضارب التوجيهات، وتعطيل المصالح، وأحيانا ً هروب وتشتيت المسئولية بين الجهات المختلفة.
وهنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات الإدارة؛ حين تتداخل السلطات فتضيع المسئولية.
فأي منظومة ناجحة تحتاج إلى وضوح من يملك القرار؟ ومن يُحاسَب؟ ومن يتحمل مسئولية التقصير أو النجاح؟
لأن غياب هذا الوضوح يفتح الباب أمام التعطيل والارتباك،
حتى لو كانت النوايا جيدة.
وفي المقابل؛ يبرز أيضا ً ملف بعض مؤسسات القطاع العام التي كان من المفترض أن تكون أدوات دعم للإنتاج والتنمية، لكنها في بعض الحالات تحولت إلى كيانات تعاني من خسائر ومديونيات ضخمة وضعف مزمن في التطوير والإدارة.
ومن أبرز الأمثلة التي يكثر الحديث عنها:
ملف المؤسسات الصحفية القومية، التي تجاوزت مديونياتها — وفقا ً لأرقام متداولة — تسعة مليارات جنيه، رغم ما تمتلكه من أصول وإمكانات وتاريخ مهني كبير.
والمشكلة هنا ليست في الحفاظ على المؤسسات الوطنية، ولا في أهمية الإعلام الوطني، ولا في فكرة القطاع العام نفسها، بل في استمرار الإدارة التقليدية نفسها رغم تغيّر العالم بالكامل واتجاهه الي التطور الرقمي، وتحولات إعلامية بمنافسة شرسة، وتغير جذري في أساليب التشغيل والعائد الاقتصادي.
فلا توجد مؤسسة تستطيع الاستمرار بعقلية تغطية الخسائر دون علاج أسبابها، أو ضخ الأموال دون تطوير حقيقي أو الإبقاء على الهياكل نفسها مهما تغير الواقع.
الإصلاح الحقيقي لا يعني الهدم ولا بيع كل شيء، ولا إلغاء دور الدولة؛ بل يعني إعادة هيكلة حقيقية، وتحديد واضح للمسئوليات، وربط القرار بالمحاسبة، واختيار الكفاءة،
وإنهاء تضارب الاختصاصات،
وتحويل المؤسسات من عبء مالي وإداري إلى كيانات منتجة وفعالة.
وربما لهذا لم يعد المطلوب اليوم مجرد “إصلاحات جزئية”،
بل ما يمكن وصفه بثورة إدارية شاملة.
ثورة تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمسئولية، وبين القرار والمحاسبة، وبين المنصب والكفاءة.
ثورة تُنهي فكرة بقاء المشكلات لأنها “موروثة”، أو استمرار الخسائر لأنها “أصبحت معتادة”.
ثورة تجعل الهدف الحقيقي لأي موقع إداري هو خدمة المواطن وتحقيق النتائج، لا مجرد إدارة الأزمة أو الحفاظ على الشكل الإداري القائم.
وفي النهاية ؛؛؛
المواطن هو من يدفع ثمن أي خلل إداري أو تضارب في الصلاحيات أو سوء إدارة اقتصادية .. يدفعه من وقته،
وأعصابه وسوء خدمات أقل جودة، وفرصا ً أضعف للتنمية.
ولهذا؛
فإن إصلاح المحليات، وتوضيح حدود السلطات، وإعادة هيكلة المؤسسات الخاسرة، لم يعد مجرد ملف إداري مؤجل، بل ضرورة حقيقية لبناء دولة أكثر كفاءة وعدالة وقدرة على خدمة مواطنيها.
