
بقلم: زاهر مرة
لم تعد نكبة فلسطين حدثًا تاريخيًا يُستذكر مرة كل عام، بل أصبحت مسيرة طويلة من التهجير والمعاناة والتنقل القسري، عاشها الفلسطيني جيلاً بعد جيل، منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا.
ثمانية وسبعون عامًا مرّت، وما زال الفلسطيني يحمل حقيبته وذاكرته وحنينه، متنقلاً بين المنافي، يبحث عن الأمان والاستقرار والاعتراف الإنساني بحقه في الحياة الكريمة، دون أن يتخلى يومًا عن هويته الوطنية أو ارتباطه بأرضه الأولى.
من فلسطين، حيث وُلد والدي رحمه الله، خرج مع جدي لاجئًا إلى لبنان بعد سقوط قريتنا بيد العصابات الصهيونية عام 1948. وهناك بدأت رحلة اللجوء الأولى، التي لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل بداية معاناة طويلة عاشها ملايين الفلسطينيين في الشتات.
ورغم الظروف الصعبة، لم يكن الفلسطيني يومًا عنصرًا سلبيًا في المجتمعات التي عاش فيها، بل كان حاضرًا في ميادين التعليم والطب والهندسة والثقافة والإعلام والتجارة، وساهم بجهده وعلمه في نهضة العديد من الدول العربية التي استضافته.
وقد كتب الراحل طلال سلمان عن الدور الاقتصادي والثقافي الكبير الذي لعبه الفلسطينيون في لبنان، موثقًا مساهمات شخصيات فلسطينية بارزة في تأسيس شركات ومؤسسات ومشاريع كان لها أثر مهم في الاقتصاد اللبناني الحديث.
كما أن الفلسطيني، أينما وجد، حمل معه ثقافة العمل والاجتهاد والإصرار على النجاح، فبرزت أسماء فلسطينية كثيرة في مجالات المال والأعمال والفكر والفن والإعلام، وأسهمت في بناء المجتمعات التي احتضنتها.
وبعد سنوات طويلة في لبنان، انتقلت عائلتنا إلى أبوظبي عام 1979 هربًا من تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية، حيث عشنا هناك أكثر من أربعة عقود. وخلال تلك السنوات، كان الفلسطيني جزءًا من مسيرة التنمية والعطاء في دول الخليج العربي، وساهم بكفاءاته في قطاعات متعددة، شأنه شأن أبناء العديد من الجاليات العربية.
ومع تعاقب الأجيال، بقي الفلسطيني يعيش حالة خاصة من الترقب وعدم الاستقرار، بسبب طبيعة قضيته السياسية وتعقيدات اللجوء الممتدة منذ عقود، الأمر الذي جعل كثيرين يشعرون بأنهم يعيشون بين محطات مؤقتة، رغم سنوات العمر الطويلة التي أمضوها في تلك البلدان.
ثم كانت الرحلة الأخيرة إلى كندا، حيث وجدنا بيئة قانونية وإنسانية وفرت الحماية والاستقرار وفرص التعليم والعمل، وهو ما منح أبناءنا فرصة لبناء مستقبل أكثر أمانًا ووضوحًا.
ورغم كل ما عاشه الفلسطيني من لجوء وغربة، بقي محافظًا على ارتباطه بوطنه الأم، مؤمنًا بحقه التاريخي والإنساني، ومتمسكًا بثقافته وهويته أينما حلّ.
لقد أثبت الفلسطيني عبر العقود أنه قادر على النهوض من تحت الركام، وأنه يحمل في داخله طاقة استثنائية على العمل والبناء والتكيف، دون أن يفقد إحساسه بالانتماء أو قضيته العادلة.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، تبقى الحاجة قائمة إلى خطاب إنساني عربي جامع، يرسخ قيم التضامن والعدالة والكرامة الإنسانية، ويؤكد أن الشعب الفلسطيني يستحق أن يعيش بحرية وأمان كبقية شعوب العالم.
كما لا يمكن إغفال الدور التاريخي الذي قامت به مصر على المستويات الإنسانية والسياسية والإغاثية تجاه القضية الفلسطينية عبر العقود، وما قدمه الشعب المصري من دعم وتضامن ظل حاضرًا في الوجدان الفلسطيني والعربي، خاصة في اللحظات الأكثر صعوبة.
وستبقى فلسطين، رغم كل الجراح، قضية إنسان وحق وذاكرة، قبل أن تكون قضية حدود وسياسة.
*كاتب المقال: مدير مكتب جريدة العربي الأفريقي في مونتريال (كندا).
