
بقلم: د. ليون سيوفي
>> كيف سَيُدارُ مَشروعُ «إِسرائيلَ الكُبرى» في عَهدِ نِتنياهو؟
لم يَكُن الرِّهانُ على سُقوطِ إِيرانَ تفصيلًا في السِّياسة الدَّوليّة، بل كان رَكيزةً مركزيّة في مَشروعٍ أَوسع يَستهدِفُ إِعادةَ صِياغةِ الشَّرقِ الأَوسط. لذلك، فإِنَّ فَشلَ هذا الرِّهان لا يعني فقط بَقاءَ دَولة، بل انكِسارَ مَسارٍ كامِل كان يُبنى على فِكرةِ إِسقاطِ «الدَّولة العُقدة» لِفَتحِ الطَّريق أَمامَ الهيمنة الشّامِلة.
هل يُعيد بَقاءُ إِيرانَ التَّوازُن؟
نعم، ولكن ليس تَوازُنَ السَّلام، بل تَوازُنَ الرَّدع.
فبَقاءُ إِيرانَ قويّةً يُسقِطُ مَنطِقَ الحَسمِ السَّريع، ويَفرِضُ مَنطِقَ الكُلفة. وهذا وحدَه كافٍ لِمنعِ الانفِجارِ الشّامِل، ولِإِجبارِ الفاعِلينَ على التَّعايُشِ القَسريّ بدل الإِقصاء.
التَّوازُنُ هنا لا يُنتِجُ استِقرارًا فَوريًّا، لكنّه يَمنَعُ الفَوضى المُطلَقة، ويُعيدُ الصِّراعَ إلى إِطارٍ مُحسوبٍ، حيث لا يَستطيعُ أَحدٌ إِلغاءَ الآخر.
سُقوطُ رِهانِ الإِسقاط وتَغيُّرُ اللُّعبة…
حين لا تَسقُطُ إِيرانَ، تَسقُطُ معها فِكرةُ «الدَّولةِ التّالية» على لائحة الانهيار، مَشروعُ تَفريغِ المَنطِقةِ من دُوَلِها المَركزيّة،وسيناريو التَّفرُّدِ الإِسرائيليّ بالأَمنِ والسِّيادة.
هنا، يَتحوَّلُ الشَّرقُ الأَوسطُ من ساحة كَسرِ عَظمٍ إلى ساحة تَوازُناتٍ ثَقيلة، حيث تُدارُ الصِّراعاتُ لا تُحسَم.
مَشروعُ نِتنياهو و«إِسرائيلُ الكُبرى» أَمامَ الجُدار فيقومُ على ثلاثِ دَعائم، تَصفيةُ القَضيّةِ الفِلسطينيّة، تَفكيكُ مَحورِ الرَّدعِ المُحيط، فَرضُ إِسرائيلَ كقُوّةٍ إِقليميّةٍ مُطلَقة بلا مُنازِع.
عدمُ سُقوطِ إِيرانَ يَضربُ هذه الدَّعائمِ في الصَّميم.
كيف سَيُدارُ المَشروعُ إِذا فَشلَ الرِّهان؟
في حال فَشلِ إِسقاطِ إِيرانَ، سَيَنتقِلُ نِتنياهو من مَرحلة التَّوسُّع الهُجوميّ إلى إِدارةِ الأَزمة الدّائِمة، وذلك عبر تَصعيدٍ مَحدودٍ ومُتقطِّع لِتَثبيت الرَّدع، وضَغطٍ دَوليٍّ لِاحتواء إِيران لا إِسقاطِها، وتَوسيعِ التَّطبيع لِتعويض فَشلِ الحَسم الأَمنيّ، وتَسويقِ الخَطرِ الوجوديّ داخليًّا لِحماية مَشروعِه السِّياسيّ.
بِمَعنى آخَر، سَيتحوَّلُ مَشروعُ «إِسرائيلَ الكُبرى» من مَشروعِ تَوسُّعٍ مَفتوح إلى مَشروعِ تَحصينٍ عَصَبيّ يَعيشُ على الأَزمات لا على الانتصارات.
فِلسطين تعود عُقدةً لا وَرقةً في ظِلّ هذا التَّوازُن، فلا تَعودُ قابِلةً للتَّصفية السَّريعة. قد لا تُحرَّر غدًا، لكنّها تَمنَعُ الإِنهاء، وتَفرِضُ نفسَها مَلفًّا مُكلفًا على أيِّ مَشروعٍ إِقليميٍّ يَتجاهَلُها.
بَين وَهمِ الحَسم ووَاقِعِ التَّوازُن ، إذا لم تَسقُط إِيرانَ، يَدخُلُ الشَّرقُ الأَوسطُ زَمَنًا جديدًا، لا انتِصاراتٍ ساحِقة،
لا انهياراتٍ سَهلة، ولا دُوَلٍ تُمحى بقرار.
إنّه زَمَنُ الصُّمود، وحِسابِ القُوّة، وإِدارةِ الصِّراع لا حَسمِه.
عدمُ سُقوطِ إِيرانَ لا يُنقِذُ المَنطِقة، لكنّه يَمنَعُ انتحارَها.
ويَكشِفُ أَنَّ مَشروعَ «إِسرائيلَ الكُبرى» ليس قَدَرًا، بل مَشروعًا مَشروطًا يَسقُطُ كلَّما وُجِدَ مَن يَمنَعُ فَرضَ الأَمرِ الواقِع.
في هذا الشَّرق، لا يَربَحُ مَن يُراهنُ على سُقوطِ الدُّوَل،
بل مَن يَعرِفُ كيف يَبني تَوازُنًا… ويَصمُد.
*كاتب المقال: باحث وكاتب سياسي لبناني.
