
بقلم: مصطفى زكريا
ليست كل النفوس قادرة على تحمّل الثقة.
فبعض الناس؛ حين تُقرّبهم، يزدادون وفاء ً وتواضعا ً واحتراما ً للمسئولية، وبعضهم الآخر؛ ما إن يقترب من دائرة النفوذ، حتى يبدأ في التغيّر تدريجيا ًوكأنه لم يعد الشخص نفسه.
والمشكلة هنا لا تكون في الصلاحيات الممنوحة، بل في النفس التي لم تكن مؤهلة أخلاقيا ً لتحملها .
فهناك فرق كبير بين إنسان يفهم أن قربه من صاحب القرار “تكليف” ، وآخر يراه “تشريفا ً شخصيا ً” يرفعه فوق الآخرين.
فالإنسان السوي حين يُمنح الثقة، يشعر بثقل الأمانة.
أما ضعيف النفس، فيشعر بنشوة النفوذ.
ومن هنا تبدأ الأزمة ؛؛
تجده يتحدث وكأنه صاحب القرار، ويتدخل فيما لا يعنيه، ويتصرف أحيانا ً باعتباره ممثلا ً للسلطة، بل وربما يمنح نفسه صلاحيات لم يحصل عليها أصلاً
وكلما شعر أن الآخرين يهابون قربه من المسئول، زاد اندفاعه في استعراض هذا القرب، حتى يتحول بالتدريج إلى عبء على من وثق به .. لتسببه فجوه كبيره بينه وبين الآخرين.
والمفارقة المؤلمة ؛؛
أن بعض هؤلاء لم يكن يملك أي حضور حقيقي قبل تلك الثقة، فلما اقترب من الضوء، ظن أنه أصبح نظيرا ً وشريكاً لمصدره.
ولهذا نرى أحيانا ً نماذج تتغير لغتها، وطريقتها، ونظرتها للناس .. بمجرد اقترابها من شخص صاحب نفوذ أو مكانة.
فيتحول التواضع إلى تعالٍ – غير مقنع بالطبع لضآلة حجمه مقارنة بمن يتعامل معهم –
والهدوء إلى استعراض، وخدمة العمل إلى محاولة فرض السيطرة.
والمشكلة الأخطر ؛؛؛
أن ضعيف النفس لا يكتفي غالباً
باستخدام النفوذ، بل يبدأ في توظيف اسم من يعمل معه لتحقيق مكانة شخصية لنفسه؛ فيتحدث باسمه، ويُلمّح نيابة عنه حتي دون الرجوع اليه !ويستخدم قربه منه كوسيلة للترهيب المعنوي أو صناعة الهيبة أو إكتساب أهمية أمام الآخرين.
بينما الحقيقة أن القيمة لا تُستعار؛ فالإنسان المحترم يظل محترما ً حتى دون منصب،
وضعيف النفس يظل ضعيفا ً حتى لو جلس بجوار أصحاب السلطة.
ولهذا ؛؛؛
فإن أخطر ما قد يحدث داخل أي مؤسسة أو علاقة أو منظومة عمل، ليس وجود شخص سيئ فقط، بل وجود شخص صغير النفس أو قليل الوعي، قريب من مركز القرار.
لأن هذا النوع تحديدا ً يخلق بيئة من التوتر والاحتقان وسوء الفهم، ويشوّه صورة من يعمل معه دون أن يشعر.
وغالبا ًيتسبب ذلك في ان تفتقد العناصر التنفيذية حماسها، ليس بسبب القيادة شخصيا ً،
بل بسبب نماذج أساءت استخدام القرب منها.
ومن هنا تظهر أهمية متابعة من تم اختيارهم ومنحهم الثقة، والتأكد من تقديرهم الواعي بحدود مهامهم وعدم تجاوزها .. أو إساءة استخدامها ولو بحسن النيه او لضيق الأُفق.
فالنفوس الكبيرة، كلما اقتربت من السلطة ازدادت اتزانا ً.
أما النفوس الصغيرة؛ فأحيانا ً يكفي أن تقترب من باب السلطة، حتى تتوهم أنها أصبحت علي الأقل جزء من تلك السُلطه .
