بقلم: مصطفى زكريا
ليست كل الجمل القصيرة بسيطة في معناها؛ فبعض العبارات الشعبية تختصر عمرا ً كاملا ً من التجارب، وتُقال أحياناً في لحظة ٍ واحدة لكنها تحمل خلفها سنوات من الاحتكاك بالحياة وفهم البشر.
ومن أكثر تلك العبارات دقة وعمقا ً:
“وأنت رايح .. أنا كنت راجع”
وهي جملة لا تُقال عادة ً بدافع التفاخر، بقدر ما تُقال حين يحاول شخص قليل الخبرة أن يتعامل وكأنه الأذكى في المكان، أو يتصور أن الخبث الذي يمارسه غير مرئي، وأن من أمامه لا يفهم ما يفعله أو ما يُخطط له.
فيبدأ في استعراض ذكائه، ويبالغ في الثقة، ويتصرف وكأنه يكتشف أمورا ً لم يسبقه إليها أحد، بينما الحقيقة أن صاحب الخبرة يكون قد رأى هذا النموذج عشرات المرات من قبل. فهناك فرق كبير بين من يقرأ عن الحياة، ومن طحنته التجارب حتى أصبح يفهم البشر من نظراتهم، ومن طريقة الكلام، ومن التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه لها كثيرون.
بعض الناس يظنون أن الذكاء هو القدرة على المراوغة، أو اللعب بالكلمات، أو إخفاء النوايا، لكنهم ينسون أن الخبرة الطويلة تجعل الإنسان يرى ما وراء التصرفات، لا التصرفات نفسها.
ولهذا كثيرا ً ما يلتزم أصحاب الخبرة الصمت .. ليس لأنهم لم يفهموا، بل لأنهم فهموا أكثر مما ينبغي.
فصاحب التجربة الحقيقية لا يحتاج أن يثبت في كل مرة أنه اكتشف الخداع، ولا يشعر بالحاجة إلى فضح كل من يحاول التلاعب، لأنه ببساطة يعرف أن الزمن كفيل بكشف الجميع.
كما أن الإنسان كلما نضج، أصبح أقل انبهارا بمن يتحدث كثيرا ً عن ذكائه، لأنه تعلم أن الذكاء الحقيقي لا يستعرض نفسه باستمرار، وأن أكثر الناس ضجيجا ً في إظهار الفهم غالبا ً هم الأقل عمقا ً.
والمشكلة أن بعض قليلي الخبرة يسيئون فهم الهدوء؛ فيظنون أن الصمت ضعف، وأن التغاضي سذاجة، وأن عدم المواجهة يعني عدم الإدراك.
بينما الحقيقة قد تكون عكس ذلك تماما ً.
فأحيانا ً يكون الصمت نوعا ً من الترفع، وأحيانا ً يكون تجاهل بعض التصرفات دليلا ً على أن صاحب الخبرة لا يريد إهدار وقته في معارك صغيرة يعرف نهايتها مسبقا ً.
الحياة لا تمنح الوعي من الكتب فقط، بل من الخسائر، ومن الصدمات، ومن الاحتكاك بالبشر، ومن المواقف التي تكشف النفوس بلا أقنعة.
ولهذا يصبح الإنسان مع الوقت أقل اندفاعا ً، وأهدأ رد فعل، لكنه أكثر فهما ً لما يدور حوله.
وفي النهاية ؛؛
ليست المشكلة أن يظن البعض أنفسهم أذكى من الجميع، بل المشكلة حين يعتقدون أن الآخرين لا يرونهم.
فبعض الوجوه قد تبدو هادئة، لكن خلف هدوئها تاريخ طويل من التجارب، يجعل صاحبها أحيانا ً يبتسم فقط .. ثم يقول في داخله:
“وأنت رايح ؛؛؛ أنا كنت راجع”.
