
بقلم: فاطمة الزهراء عمراني
ليس كل رحيل يُكتب بالحبر، فبعضه يُكتب بالدمع، وبعض الفقد لا تواسيه الكلمات مهما بلغت من البلاغة، لأن الراحل لم يكن اسمًا عابرًا في سجل الحياة، بل كان إنسانًا ترك أثرًا في القلوب قبل أن يترك أثرًا في الميدان.
رحل القائد معطالله هيدور، المحافظ الولائي للكشافة الإسلامية الجزائرية لمحافظة أدرار، لكن رحيله لم يكن خبرًا عاديًا، بل كان وجعًا عمّ الأسرة الكشفية بأكملها. وكأن الجزائر كلها كانت تودع واحدًا من أبنائها الأوفياء، الذين جعلوا من خدمة الناس والكشفية رسالةً وعهدًا لا يتراجعون عنه.
في يوم تشييعه، لم تكن الجنازة مجرد مراسم وداع، بل كانت مشهدًا تختلط فيه الدموع بالدعوات. حشود غفيرة جاءت من مختلف الولايات، رفاق الدرب، والقادة، والكشافة، والأصدقاء، ومحبوه من كل مكان، يحملون في قلوبهم حزنًا لا تصفه الكلمات. كانت الوجوه شاحبة، والعيون دامعة، وكل خطوة في موكب الجنازة كانت تحكي قصة رجل عاش بين الناس كريمًا، ورحل تاركًا فيهم فراغًا كبيرًا.
ولم يقتصر الحزن على أرض الجزائر، بل امتدت موجات العزاء إلى خارج الوطن، في صورة تجسد المكانة التي كان يحظى بها الراحل. فقد توالت رسائل وبرقيات التعزية من شخصيات وهيئات كشفية ورسمية عربية، ومن بينها جمعية الكشافة الكويتية، ونائب الاتحاد العام للبرلمانيين العرب، والاتحاد العالمي للكشاف المسلم، كما صدرت كلمات مؤثرة من القائد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية عبد الرحمن حمزاوي، إلى جانب تعازي السلطات الرسمية، والهيئات المحلية، والحركات الجمعوية، والأسرة الكشفية داخل الجزائر وخارجها، في مشهد يعكس حجم المحبة والاحترام اللذين نالهما الفقيد طوال مسيرته.
لقد كان القائد معطالله هيدور رجلًا عاش للكشفية، يحمل همّها في قلبه، ويؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار للوطن. لذلك لم يكن غريبًا أن يجتمع الجميع على الدعاء له، وأن تتوحد القلوب وهي تستذكر سيرته الطيبة ومواقفه الإنسانية التي بقيت راسخة في ذاكرة كل من عرفه.
أما أنا… فلا أملك اليوم إلا أن أرفع يدي إلى السماء، داعيةً الله أن يجعل كل خطوة خطاها في خدمة وطنه وكشافته في ميزان حسناته، وأن يرحمه رحمة واسعة، وأن يسكنه الفردوس الأعلى، وأن يجزيه عن كل خير قدمه خير الجزاء.
سيبقى اسم معطالله هيدور حاضرًا في الذاكرة، وستبقى سيرته عنوانًا للإخلاص والعطاء، وسيظل وجع الفراق شاهدًا على أن الرجال العظماء لا يرحلون من القلوب، وإن غابت أجسادهم عن العيون.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
*الكاتبة: قائدة كشفية جزائرية.
