لم تكن زيارة الرئيس الجابوني بريس كلوتير أوليجي نجيما إلى باريس مجرد أول زيارة دولة يجريها منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، بل بدت محاولة مشتركة لطي صفحة من أكثر العلاقات تعقيداً في غرب ووسط إفريقيا، وفتح أخرى تقوم على المصالح الاقتصادية بدلاً من النفوذ العسكري الذي طبع العلاقة بين البلدين لعقود.
في قصر الإليزيه، لم يقتصر المشهد على مراسم الاستقبال الرسمية والعشاء الذي أقامه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بل انتهى بتوقيع حزمة تفاهمات حملت رسالة سياسية واضحة.
تريد فرنسا الاحتفاظ بمكانتها في الجابون، لكن بأدوات مختلفة، فيما يسعى “أوليجي” إلى تقديم نفسه شريكاً قادراً على التفاوض مع باريس وفق أولويات بلاده الاقتصادية، لا وفق إرث العلاقة التقليدية بين المستعمِر ومستعمرته السابقة.
وجاء الاتفاق الإستراتيجي الخاص بقطاع المنجنيز في صدارة نتائج الزيارة، إذ ينص على استثمار مجموعة التعدين الفرنسية “إيراميت” في توسيع قدرات معالجة خام المنجنيز داخل الجابون لتصل إلى 700 ألف طن بحلول عام 2031، مقابل التزام الحكومة الجابونية بتطوير شبكة السكك الحديدية التي تمثل شريان نقل الخام إلى الموانئ.
ولا ينظر إلى الاتفاق باعتباره استثماراً تعدينياً فحسب، بل خطوة تعكس رغبة ليبرفيل في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى زيادة التصنيع المحلي ورفع القيمة المضافة لثرواتها الطبيعية، وهو هدف أعلنته السلطات الغابونية منذ بداية المرحلة الانتقالية التي أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق علي بونغو في أغسطس 2023.
في المقابل، يوفر الاتفاق لفرنسا موطئ قدم اقتصادي أكثر رسوخاً في واحدة من أغنى الدول الإفريقية بالموارد الطبيعية، في وقت تواجه فيه باريس تراجعاً متسارعاً لنفوذها التقليدي في القارة، خاصة بعد انسحاب قواتها من عدة دول في منطقة الساحل وتصاعد الحضور الروسي والصيني والتركي في ملفات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية.
لم يكن اختيار المنجنيز مصادفة، فالجابون تعد من أكبر منتجي هذا المعدن عالمياً، ويشكل أحد المكونات الأساسية في صناعات الصلب والبطاريات والتقنيات المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة، ما يمنحه أهمية إستراتيجية تتجاوز قيمته التجارية التقليدية.
التحول الأبرز الذي حملته الزيارة لم يكن اقتصادياً فقط، بل عسكرياً أيضاً؛ فقد اتفق الجانبان على استكمال نقل ملكية معسكر “ديجول” الذي كان يمثل أحد أبرز رموز الوجود العسكري الفرنسي في الجابون إلى الدولة الجابونية، مع تحويله إلى منشأة مشتركة يقتصر التعاون فيها على التدريب والتأهيل العسكري.
ويمثل هذا التطور امتداداً لإعادة انتشار القوات الفرنسية في إفريقيا، بعدما اضطرت باريس خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص وجودها العسكري في عدة دول، وسط تنامي المشاعر المناهضة لها وتصاعد مطالب الحكومات الإفريقية بإعادة صياغة العلاقات الأمنية على أسس جديدة.
وبالنسبة لأولِيجي نجيما، فإن استعادة القاعدة العسكرية تحمل دلالة سياسية لا تقل أهمية عن الاتفاق الاقتصادي، إذ تنسجم مع الخطاب الذي تبناه منذ وصوله إلى السلطة، والقائم على أن الجابون يجب أن “تستعيد زمام مصيرها”، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شراكاتها الدولية.
ورغم أن ملف الديون لم يكن مطروحاً رسمياً على جدول أعمال الزيارة، فإنه ظل حاضراً في خلفية المحادثات، فالجابون تواجه ديناً عاماً يتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي، وتسعى إلى الانتهاء من تدقيق شامل للدين العام تمهيداً للتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي.
تدرك فرنسا، التي تترأس نادي باريس للدول الدائنة، أن نجاح الجابون في معالجة أزمتها المالية يمثل عاملاً أساسياً لاستقرار إحدى أهم دول وسط إفريقيا، كما أن أي تعثر اقتصادي قد ينعكس على منطقة الفرنك الإفريقي التي تمر بمرحلة حساسة من الضغوط المالية.
بدت الزيارة وكأنها جمعت ثلاثة ملفات مترابطة؛ الاستثمار، والأمن، والاستقرار المالي، في إطار رؤية جديدة تحاول من خلالها باريس الحفاظ على نفوذها عبر الاقتصاد، بينما تسعى ليبرفيل إلى استثمار هذا الانفتاح لتحقيق مكاسب تنموية دون العودة إلى معادلات التبعية القديمة.
كما حملت الزيارة رسالة إلى بقية دول القارة، مفادها أن العلاقة مع فرنسا تدخل مرحلة مختلفة، لا تقوم على القواعد العسكرية وحدها، ولا على الخطاب السياسي التقليدي، بل على مشاريع اقتصادية واستثمارات مباشرة وشراكات أكثر توازناً، حتى وإن بقيت المصالح الإستراتيجية لباريس حاضرة بقوة في خلفية المشهد.
ورغم أن نتائج هذه الزيارة ستقاس بما سينفذ على الأرض خلال السنوات المقبلة، فإنها كشفت بوضوح أن الجابون وفرنسا تحاولان بناء نموذج جديد لعلاقتهما الثنائية؛ نموذج يضع الاقتصاد في المقدمة، ويخفض الحضور العسكري إلى الحد الأدنى، ويمنح كل طرف فرصة لإعادة تعريف موقعه في معادلة إفريقية تتغير بسرعة، لم تعد فيها النفوذات القديمة كافية لضمان البقاء.














