
بقلم: مصطفى زكريا
في هذه السلسلة أحاول أن أشارك القارئ بعض الدروس التي تعلمناها من تجارب الحياة في التعامل مع أنماط مختلفة من البشر، وكيف نحافظ على وقتنا وطاقتنا النفسية ونواصل مسيرتنا دون أن نستنزف أنفسنا في معارك لا تستحق أن تُخاض.
يظن كثير من الناس أن القوة تكمن في القدرة على خوض المعارك والانتصار فيها، وأن النجاح يقاس بعدد المواجهات التي يخوضها الإنسان وعدد الخصوم الذين يهزمهم. لكن التجربة تعلمنا مع مرور الزمن حقيقة مختلفة تمامًا؛ فالحكمة لا تكمن في كسب كل المعارك، بل في معرفة أي المعارك تستحق أن نخوضها من الأساس.
ففي الحياة معارك كثيرة تُعرض علينا كل يوم. معارك كلمات، ومعارك آراء، ومعارك إثبات الذات، ومعارك الرد على الاستفزاز، ومعارك الدفاع عن النفس أمام أشخاص لا يبحثون أصلًا عن الحقيقة. وقد ينجرف الإنسان إليها بدافع الحماس أو الغضب أو الرغبة في إثبات أنه على حق، ليكتشف بعد فوات الأوان أنه خسر وقتًا وطاقة وراحة بال دون أن يحقق شيئًا حقيقيًا.
ومن أكثر المعارك استنزافًا تلك التي نخوضها مع أشخاص لا يريدون أن يفهموا. فبعض الناس لا يدخلون النقاش بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن الانتصار الشخصي. وكلما قدمت لهم حجة، بحثوا عن حجة أخرى، وكلما أوضحت لهم حقيقة، انتقلوا إلى نقطة جديدة. وهنا يتحول الحوار من وسيلة للفهم إلى دائرة مغلقة لا نهاية لها.
وهناك معارك أخرى لا تقل عبثًا، وهي محاولة الرد على كل تافه أو تصحيح كل خطأ أو التعليق على كل إساءة. فليس كل ما يُقال يستحق ردًا، وليس كل ما يحدث يستحق أن يتصدر اهتماماتنا. وكثير من الأمور تكبر لأننا منحناها اهتمامًا أكبر من حجمها الحقيقي.
كما يقع البعض في فخ معارك إثبات الذات. فيسعى طوال الوقت لإقناع الآخرين بقيمته أو قدراته أو مكانته. والحقيقة أن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان مستمر، وأن الإنجاز الصادق يتحدث عن نفسه بصوت أعلى من آلاف الكلمات.
ومن المعارك التي تستنزف أصحابها أيضًا الصراعات مع معرقلي المسيرة. أولئك الذين يحاولون التشكيك أو التثبيط أو وضع العقبات في الطريق. والمفارقة أن أخطر ما يمكن أن يفعلوه ليس تعطيل خطواتك، بل دفعك إلى الانشغال بهم أكثر من انشغالك بهدفك. وعندها يكونون قد حققوا ما أرادوا دون أن يشعروا.
إن الإنسان يملك قدرًا محدودًا من الوقت والطاقة والانتباه. وكل دقيقة يقضيها في معركة لا جدوى منها هي دقيقة انتُزعت من مشروع كان يمكن أن ينجزه، أو فكرة كان يمكن أن يطورها، أو علاقة جميلة كان يمكن أن يمنحها اهتمامه.
ولهذا فإن النضج الحقيقي لا يظهر فقط في القدرة على المواجهة، بل في القدرة على التجاهل حين يكون التجاهل حكمة، وعلى الصمت حين يكون الصمت قوة، وعلى الانصراف حين يصبح الانصراف أكثر فائدة من البقاء. فليست كل دعوة إلى معركة تستحق الاستجابة، وليست كل إساءة تستحق الرد، وليست كل معارضة تستحق الانشغال بها.
ومع مرور السنوات يكتشف الإنسان أن أعظم انتصاراته لم تكن في المعارك التي خاضها وربحها، بل في المعارك التي أدرك مبكرًا أنها لا تستحق أن يخوضها أصلًا.
فالحياة أقصر من أن تُهدر في كل جدال، وأثمن من أن تُستهلك في كل خلاف، وأكبر من أن تضيع بين معارك صغيرة لا تضيف إلى الإنسان علمًا ولا نجاحًا ولا راحة بال.
