
بقلم: مصطفى زكريا
في هذه السلسلة أحاول أن أشارك القارئ بعض الدروس التي تعلمناها من تجارب الحياة في التعامل مع أنماط مختلفة من البشر، وكيف نحافظ على وقتنا وطاقتنا النفسية ونواصل مسيرتنا دون أن نستنزف أنفسنا في معارك لا تستحق أن تُخاض.
ما من إنسان يسعى إلى تحقيق هدف، أو بناء مشروع، أو تطوير مؤسسة، أو تقديم فكرة جديدة، إلا وسيجد في طريقه من يحاول عرقلة مسيرته بصورة أو بأخرى. إنها واحدة من الحقائق الثابتة في الحياة؛ فكل حركة تصنع أثرًا، وكل نجاح يلفت الانتباه، وكل محاولة للتغيير تثير مقاومة لدى بعض الناس.
ومعرقلو المسيرة ليسوا جميعًا من نوع واحد. فبعضهم يخشى التغيير لأنه اعتاد الواقع القائم، وبعضهم يخاف أن يكشف النجاح قصوره أو تقاعسه، وبعضهم يعتقد أن تقدم الآخرين يعني تراجعه هو، وهناك من يمارس التعطيل لأنه لا يجيد غيره، فالعاجز عن البناء يجد في الهدم وسيلة سهلة لإثبات وجوده.
والمشكلة أن كثيرًا من أصحاب المشاريع والأفكار يقعون في خطأ شائع؛ إذ يمنحون هؤلاء المعطلين من اهتمامهم أكثر مما يستحقون. فيتحول التركيز من الهدف إلى الخصومة، ومن الإنجاز إلى الردود، ومن صناعة المستقبل إلى إدارة الصراعات الجانبية.
والحقيقة أن أخطر ما يفعله معرقلو المسيرة ليس أنهم يبطئون خطواتك، بل أن يدفعوك للتوقف والنظر إليهم بدلًا من النظر إلى هدفك. فعندما تنشغل بالرد على كل مشكك، ومواجهة كل مثبط، والدخول في معركة مع كل معارض، فإنك تستهلك وقتك وطاقتك في المكان الخطأ.
لقد أثبتت التجارب أن الإنجاز نفسه هو أقوى رد. فالنجاح الذي يتحقق على أرض الواقع يجيب عن أسئلة كثيرة لا تستطيع الكلمات الإجابة عنها. وما أكثر من ضاعت أعمارهم في تبرير أفكارهم والدفاع عن مشاريعهم، بينما كان الأجدر بهم أن ينشغلوا بتنفيذها.
ولا يعني ذلك تجاهل النقد أو رفض الرأي الآخر، فهناك فرق كبير بين الناقد الذي يريد الإصلاح، والمعطل الذي يريد الإيقاف. الأول يقدم ملاحظة تساعدك على التطوير، أما الثاني فيبحث عن أي ذريعة للتشكيك أو التأخير أو الإحباط. والحكمة تقتضي أن تستفيد من الأول، وألا تسمح للثاني بأن يتحكم في اتجاهك أو سرعتك.
كما أن من المهم أن يدرك الإنسان أن المقاومة ليست دائمًا دليلًا على الخطأ. ففي أحيان كثيرة تكون مقاومة الفكرة الجديدة دليلًا على أنها تمس مصالح مستقرة أو عادات راسخة أو مناطق راحة اعتاد عليها البعض. ولهذا فإن كل مشروع ناجح تقريبًا مر في مرحلة من الاعتراض والتشكيك قبل أن يثبت قيمته وجدواه.
إن أصحاب الرسالات الحقيقية وأصحاب الأهداف الكبرى لا يقيسون نجاحهم بعدد من يصفق لهم، ولا يتوقفون بسبب من يعترض طريقهم. فهم يدركون أن الطريق إلى أي إنجاز مهم لن يكون خاليًا من العقبات، وأن جزءًا من النجاح يتمثل في القدرة على مواصلة السير رغم وجودها.
وفي النهاية، ستجد في كل طريق من يمهد لك الطريق، ومن يسير معك، ومن يقف متفرجًا، ومن يحاول وضع الحجارة أمامك. لكن الفارق الحقيقي ليس في وجود الحجارة… بل في قدرتك على مواصلة السير رغم وجودها
