
بقلم: لواء مصطفى زكريا
في بعض اللقاءات؛ لا يكون الحديث مجرد كلمات تُقال، بل مساحة تُفتح للفكر كي يتحرك بحرية، ومع شخصياتٍ بعينها، لا تكتفي بما يقولونه، بل تسعى إلى فهم كيف يرون العالم.
جمعني لقاء مع الصديق العزيز د. عصام شرف – رئيس الوزراء الأسبق .. حيث دعاني خلاله لحضور ندوة يوم السبت القادم الموافق ٢ مايو ٢٠٢٦، بمقر جمعية إدارة الأعمال العربية، يُلقي خلالها محاضرة بعنوان
“رومانسية وطن”.
وهو ما لفت نظري وتوقفت عند هذا العنوان المُلفت ! لتوافقه مع ما أشعر به حيال أي موضوعات يتطرق إليها في كتاباته ومحاضراته ولقاءاته، وهو ما أفصحت له عنه في حوار لم أخطط له، ولم يكن في الحسبان.
لم يكن الحديث عن السياسة بوصفها واقعا ً يُدار، بل كفكرة تُفهم، ورؤيةٍ تُعاد قراءتها، وربما فلسفة تبحث عن معناها في قلب التجربة.
لم يكن الرجل يتحدث كسياسي ومسئول كبير سابق يستعرض تجربة، بل كمفكر يحاول أن يعيد قراءة ما جرى؛ لا من زاوية القرار، بل من زاوية المعنى.
وهنا تحديدا ً، تساءلت:
هل نحن أمام رجلٍ يُفلسف السياسة .. أم أمام من يرى السياسة في جوهرها فعلا ً فلسفيا ً؟
الفارق بين الحالتين ليس بسيطا ً ؛ فهناك من يمارس السياسة باعتبارها إدارة مصالح، وتوازنات، ومواقف تتغير وفق الظرف .. وهناك من يتعامل معها كامتداد لفكرة أكبر، كجزء من رؤية إنسانية تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.
وفي الحالة الثانية، لا تصبح السياسة مجرد أدوات، بل تتحول إلى تعبير عن وعي.
ما يميز طروحات د. عصام شرف؛ في تقديري أنها لا تنطلق من فكرة السيطرة على الواقع، بل من محاولة فهمه، لا يسعى الرجل إلى فرض إجابة، بل إلى طرح سؤال.
وهذه سمة نادرة في عالم ٍ اعتاد أن يُكافئ من يملك الإجابات السريعة، لا من يطرح الأسئلة العميقة.
السياسة حين تُمارس بلا فلسفة؛ تتحول إلى إدارة يومية للأزمات، قد تنجح مرحليا ًلكنها تفتقد العمق والاستمرارية .. أما حين تُفهم كفلسفة؛ فإنها تُصبح مشروعا ً له رؤية، ومساراً يُبنى، لا مجرد رد فعل.
وفي المقابل؛ الفلسفة إن ابتعدت عن الواقع قد تتحول إلى ترف ٍفكري .. لكنها حين تقترب من السياسة، تكتسب القدرة على التأثير.
وهنا تتجلى المفارقة:
هل عصام شرف سياسيا ً يتأمل !.. أم أن ممارسته السياسة فجّرت طاقة إبداعية في التعبير والرؤية؟
ربما لا تكون الإجابة في اختيار أحد الطرفين، بل في تلك المنطقة التي يلتقي فيها الفكر بالفعل، والتأمل بالتجربة؛ حيث لا يعود الفصل ممكنا ً، بل يصبح التكامل هو الحقيقة.
ولعل القيمة الحقيقية في هذا الطرح؛ أنه لا يقدم نموذجا ً يُقلّد، بل يفتح أفقا ً للتفكير، يدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها السياسة لا كصراع فقط بل كحقلٍ للفهم ولإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والدولة، بين القرار والقيمة، بين الواقع والمأمول.
في النهاية ؛؛ قد لا نحتاج إلى سياسيين أكثر، بقدر ما نحتاج إلى وعيٍ أعمق بالسياسة، والفرق كبير بين من يُدير المشهد ومن يفهمه، وبين من يتعامل مع الواقع كما هو، ومن يسعى إلى أن يمنحه معنى.
ومن هنا ؛؛ كتبت هذا المقال .. وفي انتظار حضور ندوة “رومانسية وطن” بمنتهى الشغف؛ إذ ربما تحمل المحاضرة ما يؤكد قراءتي لفكر وكتابات هذا الرجل القيمة والقامة الكبيرة.
على أن يكون لنا حديث بعد حضور الندوة، ربما تحمل ما هو أبعد من العنوان.
