أنت ربان سفينتك.. فلا تسلّم دفّتها لمن يقف على الشاطئ

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

من حق الناس أن يُبدوا آراءهم، ومن حقهم أن ينصحوا، وأن ينقلوا خبراتهم وتجاربهم، وأن يحذروا مما يرونه خطرا ً أو يشجعوا ما يعتقدون أنه صواب.
لكن المشكلة لا تبدأ عند النصيحة، بل تبدأ حين يتحول صاحب النصيحة إلى صاحب قرار، وحين يسمح الإنسان للآخرين بأن يمسكوا بدفّة حياته أكثر مما يمسكها هو بنفسه.
فالحياة ليست طريقا ً واحدا ً يصلح للجميع .. وما كان صوابا ً لشخص قد لا يكون مناسبا ً لغيره، وما نجح مع إنسان قد يفشل مع آخر، لأن الظروف تختلف، والقدرات تختلف، والاحتياجات تختلف، وحتى الأحلام نفسها تختلف من شخص إلى آخر.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان أحيانا ً هو أن يتخلى عن حقه في اتخاذ القرار، وأن يبحث دائما ً عمن يقرر نيابة عنه.
فبعض الناس يقفون على الشاطئ ويُكثرون من إعطاء التعليمات، يتحدثون بثقة عن الطريق الذي يجب أن تسلكه، والقرار الذي ينبغي أن تتخذه، والمغامرة التي يجب أن تتجنبها، أو الفرصة التي يجب أن تخوضها .. لكنهم في الحقيقة لا يعيشون ما تعيشه أنت، لا يشعرون بما تشعر به، ولا يتحملون ما تتحمله من ضغوط ومسؤوليات وتحديات.
إنهم يرون البحر من بعيد؛ أما أنت، فأنت من يواجه الأمواج، وأنت من يشعر بقوة الرياح، وأنت من يعرف حالة السفينة التي تحملها، وأنت وحدك من سيدفع ثمن القرار إن كان صائبا ً أو خاطئا ً.

وهذا لا يعني أن نغلق آذاننا عن النصائح، أو أن نتعامل مع الآخرين بتعالٍ أو عناد؛ فالإنسان الحكيم يستمع، ويتعلم، ويستفيد من خبرات من سبقوه.
لكن هناك فرق كبير بين أن تستمع إلى النصيحة، وبين أن تتنازل عن مسؤولية القرار .. فالاستماع حكمة، أما التبعية العمياء فهروب من المسؤولية.

النضج الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن الآخرين قد يساعدونه على الرؤية، لكنهم لا يستطيعون أن يعيشوا حياته بدلا ً منه .. ولعل أكثر ما يربك الإنسان في بعض مراحل حياته هو كثرة الأصوات من حوله.
كل شخص لديه رأي، وكل شخص يعتقد أنه يعرف ما هو الأفضل، وكل شخص يتحدث وكأنه يملك الحقيقة الكاملة.

لكن الحقيقة أن أحدا ً لا يرى الصورة كاملة؛ ولهذا فإن القرار النهائي يجب أن يبقى دائما ً في يد صاحب الرحلة، فهو الأقدر على فهم ظروفه، والأعرف بتفاصيل واقعه، والأكثر تحملا ً لنتائج اختياراته.
وقد يخطئ الإنسان أحيانا ً حين يتخذ قراره بنفسه؛ لكن حتى هذا الخطأ يبقى أكثر فائدة من نجاح جاء نتيجة السير الأعمى خلف قرارات الآخرين.
لأن الخطأ الذي تتعلم منه يصنع خبرة .. أما الحياة التي تعيشها وفقا ً لرغبات غيرك فقد تسلبك حق التعلم وحق النمو وحق اكتشاف نفسك.

إن أجمل ما يمكن أن يمتلكه الإنسان ليس أن يجد من يقوده طوال الوقت، بل أن يمتلك الشجاعة الكافية ليمسك دفّة سفينته بنفسه.
أن يسمع الجميع، ويُقدّر الجميع، ويتعلم من الجميع، ثم يختار طريقه بوعي ومسؤولية.

فالحياة في النهاية رحلتك أنت .. والبحر بحرك أنت .. والأمواج أمواجك أنت.
أما الذين يقفون على الشاطئ، فقد يصفقون لك إذا نجحت، وقد يلومونك إذا أخفقت، لكنهم في الحالتين لن يخوضوا البحر بدلا ً منك.

لذلك .. كن منفتحا ً على النصيحة، لكن لا تتنازل عن حقك في القرار .. فأنت ربان سفينتك، وحدك من يعرف حقيقة أمواجها، ووحدك من يملك الحق في تحديد وجهتها.

الاخبار العاجلة