شقة بملايين ومرتب ببضعة آلاف.. رحلة الشقة من المتر والأسمنت إلى الملايين

من مكالمة تسويقية إلى حسبة بملايين الجنيهات

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
شقة بملايين ومرتب ببضعة آلاف.. رحلة الشقة من المتر والأسمنت إلى الملايين
تحقيق: فاطمة خليفة

 هل تبحث عن شقة أحلامك؟ هل تبحث عن تقسيط مريح؟”

عبارات تتردد على مسامع المصريين يوميا، حين يرن هاتفك في منتصف يوم عادي، لتجد نفسك أمام عرض لشقة في المدن الجديدة والأحياء المطورة، بنظام سداد طويل الأجل، يظن المواطن الذي لا يتجاوز دخله بضعة آلاف من الجنيهات أنه أمام فرصة تاريخية، ولكنه سرعان ما يصطدم بالأسعار المليونية!

 

هنا تنتهي المكالمة وينتهي الحلم، لكن السؤال الذي يبقى معلقًا هو: كيف أصبحت الشقة في مصر أغلى من قدرة ملايين المصريين على الحلم بها؟ ومن الذي يحدد هذا السعر؟

 

هذا النمط من الاتصالات لم يعد حالة فردية، بل أصبح جزءًا من يوميات السوق العقاري، حيث تحولت أرقام الهواتف إلى بوابة تسويق مفتوحة على مدار الساعة. 

 

هذا المشهد اليومي، يفتح سؤالًا أوسع حول طبيعة السوق العقاري في مصر، وكيف وصلت أسعار السكن إلى مستوى لا يقارن بدخول عموم المصريين. 

وكيف تحولت الشقة من مجرد “متر من الأسمنت والطوب” إلى أصل عقاري يسعر بالملايين؟ 

وللإجابة عن هذه التساؤلات، يفتح هذا التحقيق أبواب السوق العقارية من الداخل، مستندًا إلى آراء خبراء اقتصاديين ومتخصصين في التطوير العقاري، وشهادات من داخل سوق التسويق العقاري، إلى جانب تجربة إحدى المشترين، في محاولة لفهم العوامل التي تدفع أسعار الوحدات السكنية إلى مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من المصريين، وما إذا كانت هذه الأسعار تعكس التكلفة الحقيقية للعقار أم تحكمها اعتبارات أخرى.

 

هل الأسمنت وحده يصنع سعر الشقة؟

وفق تقديرات حكومية صادرة عن وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية، تم تحديد متوسط تكلفة تقديرية لبناء المتر في بعض المدن الجديدة عند مستويات منخفضة نسبيًا مقارنة بأسعار البيع في السوق، لكن هذه الأرقام لا تمثل التكلفة النهائية للوحدة السكنية.

 

وتشير العروض المطروحة في عدد من مشروعات التطوير العقاري إلى تباين واسع في أسعار الوحدات السكنية، وهو تباين لا تفسره تكلفة البناء وحدها، وإنما تحكمه مجموعة من العوامل، من بينها موقع المشروع، ومستوى الخدمات، وطبيعة التشطيبات، وأنظمة السداد، فضلًا عن الرؤية الاستثمارية التي يتبناها كل مطور عقاري عند تسعير مشروعاته. 

 

فجوة بين الدخل والسعر

المشكلة الأكثر وضوحًا لا تتعلق فقط بتكلفة البناء، بل بالفجوة المتسعة بين أسعار العقارات والدخول الشهرية.

ففي الوقت الذي تتراوح فيه دخول شرائح واسعة من الموظفين بين بضعة آلاف إلى ما يزيد قليلًا على عشرة آلاف جنيه، تصل أسعار الوحدات السكنية في بعض المشروعات الجديدة إلى ملايين الجنيهات، وهو ما يجعل امتلاك وحدة سكنية هدفًا طويل المدى يتطلب سنوات ممتدة من الادخار أو التمويل.

 

هل تتأثر السوق المصرية بالسوق العالمية؟

ولا ينفصل ما تشهده السوق العقارية المصرية عن اتجاه عالمي أوسع، إذ يرى الباحث في الشأن الاقتصادي الدكتور أحمد يونس أن العقارات ما زالت تعد في معظم دول العالم أحد أهم الأصول القادرة على حفظ القيمة، خاصة في فترات التضخم وتقلبات العملات وارتفاع أسعار الفائدة.

 

ويشير “يونس” إلى أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بزيادة تكاليف البناء، بل أيضًا بإقبال المستثمرين على العقار باعتباره ملاذًا آمنًا لحماية المدخرات وتحقيق عوائد طويلة الأجل.

 

ويؤكد “يونس” أن السوق المصرية تأثرت بدورها بهذه المتغيرات، فارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء والطاقة، إلى جانب تراجع قيمة الجنيه، دفع المطورين إلى إعادة تسعير مشروعاتهم بصورة متكررة. 

 

ومع ذلك، يرى “يونس” أن تفسير الأسعار الحالية لا يقتصر على عنصر التكلفة، لأن تسعير العقار يعتمد كذلك على توقعات التضخم المستقبلية، والعرض والطلب، والقيمة الاستثمارية للموقع، وهو ما يجعل سعر الوحدة في كثير من الأحيان يعكس ما يُتوقع أن تكون عليه قيمتها بعد سنوات، وليس فقط ما تكلفته وقت الإنشاء.

 

ويضيف “يونس” أن التحدي الحقيقي لا يكمن في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في اتساع الفجوة بينها وبين مستويات الدخول، وهو ما يفرض، بحسب رأيه، ضرورة تحقيق توازن بين العقار كأداة استثمارية تساهم في النمو الاقتصادي، والعقار كحق اجتماعي يضمن للمواطن فرصة الحصول على سكن مناسب يتوافق مع قدرته الشرائية

 

السعر يبدأ من البناء… ولا ينتهي عنده 

في قلب السوق العقاري، يرى مطورون أن الأسعار الحالية تعكس تكلفة حقيقية تراكمت خلال السنوات الماضية نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء والأراضي والتمويل.

 

أما المسوقون العقاريون فيرون الصورة من زاوية مختلفة تمامًا، إذ يؤكدون أن الطلب الاستثماري، خاصة في المدن الجديدة، هو المحرك الأساسي لاستمرار الأسعار عند هذه المستويات، حتى مع ضعف القدرة الشرائية للفئة الأكبر من المواطنين.

 

ورغم القفزات المتتالية في أسعار العقارات، فإن السوق لم يتوقف، بل ما زالت المشروعات الجديدة تحقق مبيعات بمليارات الجنيهات، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: من هو العميل القادر على شراء هذه الوحدات؟ وهل ما زال المشتري يبحث عن شقة للسكن، أم أن طبيعة الطلب نفسها تغيرت؟

مشترون يستثمرون ومتعثرون يبحثون:

يقول محمد أحد العاملين السابقين في مجال التسويق العقاري: أن الصورة المتداولة عن السوق تختلف كثيرًا عن الواقع الذي عاشه لسنوات، موضحا أن العميل المقبل على الشراء بالفعل قد يكون متابع للأسعار ويعرف بالضبط ما يريد.

 

ويقول إن العميل الجاد الذي يبحث عن سكن يناسب إمكانياته يكون في الغالب قد حدد ميزانيته مسبقًا، ويعرف الفئة السعرية التي يستطيع تحملها، لذلك لا يتخذ قراره بناءً على إعلان تلفزيوني أو مكالمة هاتفية عشوائية، مؤكدا أن الصورة الشائعة لدى كثير من الناس ليست دقيقة عن مفاجأة العملاء بالأسعار.

 

ويضيف “محمد” أن الحملات الإعلانية والاتصالات الهاتفية تستهدف في جانب كبير منها شريحة أخرى من العملاء، وهم من يمتلكون سيولة مالية ويبحثون عن فرصة استثمارية أكثر من بحثهم عن مسكن. 

 

كما أن هذا النوع من الإعلانات يستهدف شريحة مختلفة من العملاء، تضم في كثير من الأحيان أشخاصًا يمتلكون سيولة مالية بهدف الاستثمار وليس السكن. 

 

ويشرح أن هؤلاء يشترون الوحدات ويحتفظون بها لفترات انتظارًا لارتفاع الأسعار ثم يعيدون بيعها محققين أرباحًا، على غرار الاستثمار في الذهب أو غيره من الأصول التي ترتفع قيمتها بمرور الوقت.

 

ويشير إلى أن هذه الشريحة الاستثمارية لعبت دورًا مؤثرًا في زيادة الطلب على الوحدات العقارية، وهو ما انعكس بدوره على مستويات الأسعار، حيث أن هذا الطلب الاستثماري أصبح أحد المحركات الرئيسية للسوق، إذ لم يعد جزء من المشترين يدخلون السوق بدافع الحاجة إلى السكن، وإنما بدافع تحقيق عائد مالي. 

 

وبحسب تجربته، يرى “محمد” أن استمرار هذه الفئة في الشراء، حتى مع الارتفاعات المتلاحقة في الأسعار، يمنح المطورين مساحة أكبر للاستمرار في رفع الأسعار، طالما أن هناك من يرى في العقار وعاءً استثماريًا أكثر منه منزلًا للسكن.

 

ويختتم حديثه بالقول: “إذا أردنا البحث عن أحد الأسباب الرئيسية وراء الارتفاعات المتتالية في أسعار العقارات، فسنجد أن جزءًا منها يعود إلى الطلب الاستثماري من أشخاص لا يشترون لأنهم في حاجة إلى السكن، وإنما لأنهم يرون في العقار فرصة لحفظ أموالهم وتحقيق أرباح مستقبلية.”

 

في النهاية تطرح تجربة المسوق العقاري سؤالا ملحا إذا كان السوق يبيع للمستثمر أكثر من الباحث عن السكن… فمن يحمي المواطن؟

وهل الإسكان الاجتماعي يمكنه أن يحل مشكلة جيل من الشباب يبحث عن مسكن للاستقرار وبناء أسرة مستقرة، بل هي مشكلة أجيال تبحث عن الأمان لأبنائها في سكن مستقر بديلا عن السكن المؤقت والإيجار المتصاعد؟

الاخبار العاجلة