تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية منعطفاً تاريخياً خطيراً يهدد وحدتها السياسية والجغرافية، وسط مؤشرات متزايدة على تحول “حركة 23 مارس” المتمردة من مجرد تنظيم مسلح في الشرق إلى مشروع سياسي بديل يسعى للاستقلال وتأسيس جيش موازى.
وكان تقرير للأمم المتحدة كشف عن تحول استراتيجي خطير في ملف الصراع بشرقالكونغو، مؤكداً أن الرئيس السابق، “جوزيف كابيلا”، بات يلعب دوراً محورياً في إعادة هيكلة شاملة لحركة المتمردين (تحالف القوى من أجل السلام- حركة 23 مارس)، والتي قد تشمل مراجعة بنيتها التنظيمية وتغيير اسمها بالكامل لإطلاق مرحلة سياسية وعسكرية جديدة تسعى لتقسيم البلاد وإقامة “جمهورية اتحادية”.
وأفاد التقرير بأن “كابيلا” الذي أصدرت المحكمة العسكرية العليا في كينشاسا بحقه حكماً غيابي بالإعدام في سبتمبر 2025 بتهمة الخيانة العظمى؛ يقوم بزيارات منتظمة للمناطق الخاضعة لسيطرة الحركة منذ مايو 2025 لعقد لقاءات دورية مع قياداتها.
تأتي الزيارات المنتظمة واللقاءات المكثفة التي يجريها الرئيس الكونغولي السابق، مع قيادات الحركة لتطرح تساؤلات حاسمة في الأوساط السياسية حول ما إذا كان هذا التحالف المستجد يمهد لخطوة استراتيجية للاستلاء على الحكم وتفكيك سلطة “كينشاسا”، تزامناً مع ترتيبات الحركة الجارية لإعادة هيكلة شاملة قد تمتد لتغيير اسمها بالكامل لإطلاق مرحلة سياسية وعسكرية جديدة.
تستند هذه المخاوف إلى التوجهات المعلنة للحركة التي باتت تروج علناً لمشروع إقامة “جمهورية الكونغو الاتحادية”، وتسعى جاهدة لإنشاء منطقة تتمتع بحكم ذاتي في شرق البلاد تدار بقيادة عسكرية مستقلة وترفض دمج مقاتليها في صفوف القوات المسلحة الرسمية.
كما تستند إلى الرصد الدقيق لعمليات تناوب القوات الرواندية التي يقدرها التقرير بـ 14 ألف جندي موزعين بين شمال وجنوب كيفو، وهي التحركات التي تتم بإشراف قادة عسكريين روانديين يخضع بعضهم لعقوبات دولية.
وبحسب الخبراء يهدف هذا التحالف المستجد، إلى الدفع بمشروع سياسي يهدف لإنشاء منطقة تتمتع بحكم ذاتي بقيادة “كابيلا”، وتأسيس جيش خاص بالتمرد يرفض الاندماج في القوات المسلحة الرسمية، وذلك بالاعتماد على قوة عسكرية ضخمة للحركة باتت تضم نحو 30 ألف مقاتل.
هذا الطموح السياسي الذي تدعمه على الأرض تلك القوة العسكرية الضخمة، التي تضم النواة التاريخية للحركة، وعناصر جرى تجنيدها من الشتات ومخيمات اللاجئين في رواندا، إلى جانب آلاف الأفراد والمنشقين السابقين من الجيش والشرطة وميليشيات “وازاليندو” المحلية عقب سقوط مدينة غوما.
وما يزيد من واقعية فرضية السعي لتقسيم الجيش والحكم، هو رصد الخبراء الدوليين لتنسيق رفيع المستوى يجري بين الحركة و”كابيلا” من جهة، ومستشار الدفاع للرئيس الرواندي، الجنرال السابق “جيمس كاباريبي”، من جهة أخرى.
يتزامن هذا التنسيق مع توغل عسكري رواندي مباشر يقدره التقرير الأممي بنحو 14 ألف جندي على الأقل يتوزعون ميدانياً بين إقليمي جنوب كيفو (8 إلى 10 آلاف جندي) وشمال كيفو (6 إلى 8 آلاف جندي) بإشراف رئيس الأركان الرواندي الجنرال “فينسنت نياكاروندي” الخاضع لعقوبات أمريكية.
في المقابل، يتعقد موقف الحكومة المركزية في “كينشاسا” مع تراجع كفاءة قواتها المسلحة التي حلت ثانية في قائمة الانتهاكات بـ 789 حالة موثقة خلال عام 2025، وتورطها في تسليم أسلحة لمجموعات “وازاليندو” بالمخالفة للحظر الدولي، والتعاون الميداني مع القوات الديمقراطية لتحرير رواندا.
يظهر التقييم الاستراتيجي أن “حركة 23 مارس” تجاوزت مفهوم الميليشيا العسكرية التقليدية لتتحول إلى كيان منظم يمتلك تعداداً بشرياً ضخماً؛ مما يعكس مساعي الحركة لإعادة الهيكلة وتغيير اسمها.
كما تسعى الحركة لتوطيد علاقاتها مع رموز سياسية سابقة مثل كابيلا، يمثل محاولة واضحة لإكساب تمددها الميداني غطاءً سياسياً محلياً يتجاوز صبغتها العرقية السابقة ويؤهلها لفرض واقع سياسي جديد.
ويؤكد إصرار الحركة على تأسيس جيش مستقل ورفض دمج عناصرها في القوات الرسمية، أن مشروع الحكم الذاتي لشرق البلاد بات الهدف القادم للمرحلة المقبلة.
يتوقع خبراء أنه سيكون من الصعب على الحكومة المركزية فرض حلول سياسية أو عسكرية قريباً طالما استمر عجزها عن ضبط انتهاكات قواتها وطالما بقيت خطوط الإمداد اللوجستي والتنسيق الإقليمي للحركة مستمرة دون رادع دولي فعال؛ خاصة أن التقرير الأممي أدان “كينشاسا” لتورط قواتها المسلحة في تزويد ميليشيات “وازاليندو” بالسلاح في خرق للحظر الأممي، والتعاون ميدانياً مع جماعات خاضعة للعقوبات الدولية.
يعيد ظهور الرئيس السابق جوزيف كابيلا في خنادق المتمردين رسم خريطة النزاع في الكونغو؛ إذ يحول الحركة من مجرد “تمرد عرقي” مدعوم من الجوار إلى “مشروع سياسي بديل” يمتلك شرعية دستورية سابقة.
ويمنح هذا التحالف الحركة غطاءً وطنياً أمام المجتمع الدولي لتسويق فكرة الفيدرالية أو الانفصال، ويحول الصراع من أزمة أمنية إقليمية إلى صراع حكم وجودي يهدد وحدة أراضي جمهورية الكونغو بالكامل.
يأتي هذا التحالف الصادم بعد قطيعة سياسية تامة وصراع مكتوم بين “كابيلا” والرئيس الحالي “فيليكس تشيسيكيدي”، بلغت ذروتها بصدور حكم الإعدام غيابياً ضد “كابيلا” بتهمة التحريض على التمرد خريف العام الماضي.
كما يتزامن مع امتناع رواندا عن الرد على الاستفسارات الأممية بشأن توغل قواتها، وتشديد واشنطن لعقوباتها على القادة العسكريين الروانديين الذين يديرون العمليات ميدانياً من داخل حدودهم.
ويكشف هذا التوجه نحو تغيير اسم الحركة وبناء عقيدة عسكرية مستقلة تحت رعاية “كابيلا”، أن المقاربات العسكرية التقليدية لجيش الكونغو أو اتفاقيات السلام السابقة الرامية لدمج المتمردين قد ولّى زمنها.
ويبدو أن المنطقة تستعد لمواجهة كيان سياسي وعسكري شبه دولي شرقي البلاد، لن تفلح “كينشاسا” في تحييده ما لم تنجح أولاً في قطع خطوط التنسيق اللوجستي مع رواندا ووقف مبيعات السلاح غير القانونية لميليشياتها المحلية.














