
بقلم: مصطفى زكريا
لا يولد الإنسان محترما ً أو غير محترم، وإنما يولد صفحة بيضاء، ثم تبدأ الأسرة في كتابة السطر الأول من شخصيته، وتواصل المدرسة والمجتمع والإعلام والقدوات كتابة بقية الفصول. لذلك فإن السلوكيات التي نراها كل يوم ليست مجرد تصرفات فردية عابرة، بل هي انعكاس مباشر لما تلقاه الإنسان من تربية، وما عاشه من قيم، وما شاهده من نماذج يحتذي بها.
فالأخلاق ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، وإنما قيم تُغرس منذ الصغر، وتترسخ بالممارسة اليومية والقدوة الحسنة.
فالطفل لا يتعلم الاحترام من كثرة الأوامر، بقدر ما يتعلمه عندما يرى والديه يحترمان الناس، ويلتزمان بالصدق، ويقدران النظام، ويحفظان الحقوق .. فالقدوة الصالحة كانت وستظل أعظم وسائل التربية.
ولذلك فإن السلوك المحترم لا يقتصر أثره على صاحبه، بل يمتد إلى أسرته ومؤسسته ومجتمعه كله ؛ فكل كلمة طيبة، وكل تصرف مهذب، وكل احترام لحق الآخرين، يسهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً ورقيا ً، بينما تؤدي الوقاحة والتنمر والتعالي وسوء الأدب وتجاوز الحدود إلى نشر التوتر والكراهية، وإفساد بيئة الحياة والعمل.
ولا تتحمل الأسرة وحدها مسؤولية بناء هذه المنظومة الأخلاقية، فهناك دور أصيل للمدرسة والجامعة، ولدور العبادة، ولوسائل الإعلام، وكافة مجالات العمل المختلفة، ولكل من يتصدر المشهد العام .. وحين تصبح القدوة السيئة أكثر حضورا ً من القدوة الحسنة، تتراجع منظومة القيم، ويصبح السلوك المنفلت أمرا ً مألوفا ً بعد أن كان مستهجنا ً.
كما تمتد المسؤولية إلى بيئة العمل، حيث لا تقتصر مهمة رب العمل على تحقيق الأرباح وإدارة الموارد، و إنتظام العمل، بل تشمل أيضا ً بناء ثقافة مؤسسية تقوم على الاحترام والانضباط وحسن التعامل .. ومن حقه، بل من واجبه، أن يجعل السلوك المهذب والالتزام الأخلاقي جزءا ً أساسيا ً من معايير التقييم والترقي، لأن الموظف لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل المؤسسة كلها أمام عملائها والمجتمع.
ولا تقف مسؤولية الإدارة عند حدود التوجيه والتدريب وتقويم السلوك، بل تمتد إلى حماية المؤسسة نفسها .. فإذا أصر بعض العاملين، رغم النصح والإنذار وإتاحة الفرصة الكافية للتصحيح، على ممارسة سلوكيات مسيئة ومتجاوزة أو عدوانية تفسد بيئة العمل، وتؤثر سلبا ً في الزملاء والعملاء، فإن استمرارهم داخل المؤسسة يصبح ضررا ً يتجاوز فائدتهم المهنية.
وهنا يكون من واجب الإدارة اتخاذ القرار المناسب وفقا ً للقانون واللوائح، ولو وصل الأمر إلى إنهاء العلاقة الوظيفية، حفاظا ً على بيئة عمل صحية، وعلى سمعة المؤسسة، وحقوق الأغلبية الملتزمة. فالتهاون مع السلوك المسيء بعد استنفاد وسائل الإصلاح ليس تسامحا ً، بل يُعّد تقصيرا ً في حق المؤسسة والعاملين بها.
ولذلك تلجأ المؤسسات الناجحة إلى الاستثمار في تنمية مهارات التواصل، وآداب التعامل، والعمل بروح الفريق، لأنها تدرك أن حسن السلوك ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل هو أيضا ً أصل من أصول النجاح الإداري، وعنصر مؤثر في الإنتاجية، وسبب رئيس في كسب ثقة العملاء.
وحين تهمل المجتمعات التربية، تضطر إلى مضاعفة الإنفاق على العقوبات والرقابة والإصلاح. فالتربية ليست تكلفة، بل هي أوفر استثمار يمكن أن تقدمه الأسرة والدولة معا ً لبناء إنسان صالح ومجتمع آمن.
إن الأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أبراج وطرق ومصانع، بل بما تمتلكه من بشر يحترمون القانون، ويوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويحفظون الحقوق، ويصونون الكلمة .. فالسلوك المحترم ليس رفاهية اجتماعية، بل هو أحد أهم مقومات نهضة الأوطان .. وكل استثمار في التربية هو استثمار في مستقبل المجتمع كله، لأن بناء الإنسان يسبق دائما ً بناء العمران.
