تتجه الأنظار مجددًا إلى إقليم تيجراي شمال إثيوبيا، بعد تصاعد التوترات العسكرية والسياسية بصورة تنذر بانهيار اتفاق بريتوريا للسلام، الذي أنهى قبل سنوات واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الإفريقية.
وجاءت التطورات الأخيرة عقب اتهام جبهة تحرير شعب تيغراي الحكومة الفيدرالية بشن هجوم عسكري باتجاه منطقة شيري في غرب الإقليم، بينما نفت أديس أبابا هذه الاتهامات، محملة الجبهة مسؤولية التصعيد عبر استمرار عمليات التجنيد القسري والاستعداد لشن عمليات عسكرية جديدة.
قالت جبهة تيجراي إن القوات الفيدرالية بدأت عمليات عسكرية جديدة، معتبرة أن التحركات تمثل خرقًا لاتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في بريتوريا، محذرة من أن استمرار العمليات قد يعيد البلاد إلى أجواء الحرب.
في المقابل، دعا مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق إفريقيا، غيتاتشو ردا، قادة تيغراي إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة جديدة، مطالبًا إياهم بالتخلي عن اللجوء إلى القوة لحسم الخلافات السياسية.
شهدت الأشهر الماضية سلسلة من التطورات التي زادت من هشاشة اتفاق السلام، أبرزها إعادة جبهة تحرير تيجراي تفعيل مؤسسات الحكم السابقة، وانتخاب قيادة جديدة للإقليم، إلى جانب استبعاد جميع دوائر تيغراي من الانتخابات الإثيوبية بسبب الأوضاع الأمنية.
كما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن التجنيد القسري للشباب، في وقت تحدثت تقارير عن تعزيزات عسكرية وتحركات ميدانية رفعت من مستوى التوتر داخل الإقليم.
المخاوف من انهيار اتفاق السلام دفعت أطرافًا دولية إلى التحرك، إذ فرضت الولايات المتحدة قيودًا على بعض قيادات جبهة تيجراي، متهمة إياهم بتقويض جهود السلام، فيما دعا الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف إلى الالتزام الكامل باتفاق بريتوريا والامتناع عن أي خطوات قد تؤدي إلى استئناف القتال.
كما شهدت العاصمة أديس أبابا تظاهرات طالبت بتنفيذ الاتفاق ووقف عمليات التجنيد القسري، في مؤشر على تنامي القلق الشعبي من عودة الصراع.
وتزامنت الأزمة مع استمرار الاتهامات الإثيوبية للسودان بدعم مقاتلي تيجراي، وهي اتهامات تنفيها الجبهة، معتبرة أنها تأتي في إطار تبرير أي تصعيد عسكري محتمل.
ويرى مراقبون أن أي انهيار لاتفاق بريتوريا لن يقتصر تأثيره على الداخل الإثيوبي، بل سيمتد إلى منطقة القرن الإفريقي بأكملها، في ظل ارتباط الأزمة بملفات أمنية وحدودية وإنسانية معقدة، قد تؤدي إلى موجة نزوح جديدة وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
يرى محللون أن المشهد الحالي يضع إثيوبيا أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: نجاح الوساطات الدولية في احتواء الأزمة وإعادة تفعيل اتفاق بريتوريا، أو استمرار التوتر العسكري دون مواجهة شاملة، أو انزلاق الطرفين إلى حرب جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
وفي ظل استمرار الاتهامات المتبادلة والتحركات العسكرية، يبقى مستقبل تيجراي رهينًا بقدرة الأطراف على إعادة إحياء مسار الحوار، ومنع تحول الأزمة الحالية إلى مواجهة مفتوحة تهدد استقرار إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي بأسرها.














