
بقلم: مصطفى زكريا
تداول الناس كثيرا ً عبارة طريفة تقول: “يقولون إن السلحفاة بطيئة… وأتساءل:
ما جدوى أن يسرع المرء وبيته فوق ظهره؟” ورغم بساطة العبارة، فإنها تخفي وراءها معنى أعمق بكثير من مجرد الدفاع عن السلحفاة أو السخرية من فكرة السرعة .. فهي تدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نحكم بها على الناس، وفي المقياس الذي نقيس به النجاح، بل وفي مفهوم السرعة نفسه.
لقد اعتدنا أن نربط النجاح بالسبق، وأن نعتبر الأسرع هو الأفضل، حتى أصبحت السرعة قيمة في ذاتها، بغض النظر عن الطريق، أو الهدف، أو الثمن الذي يدفعه الإنسان وهو يركض .. لكن الحياة أكثر تعقيدا ً من سباقٍ تُقاس فيه النتائج بعدد الثواني، لأن البشر لا ينطلقون من نقطة واحدة، ولا يحملون الأعباء نفسها، ولا يعيشون الظروف ذاتها.
ليست المشكلة أن بعض الناس يسيرون ببطء، وإنما أن كثيرا ً من الناس يقيسون الجميع بسرعة واحدة، وكأن الحياة طريق مستقيم، وكأن البشر يحملون الأعباء نفسها، ويملكون القدرات ذاتها، ويواجهون الظروف نفسها .. فمن يحمل مسؤولية أسرة ليس كمن لا يحمل إلا نفسه، ومن يقود مؤسسة ليس كمن يدير شأنه الشخصي، ومن يتخذ قرارا ً يمس آلاف البشر ليس كمن يقرر أمرا ً يخصه وحده .. لذلك فإن مقارنة السرعات دون معرفة الأعباء ليست عدلا ً، بل ظلمٌ مغلف بمظهر الموضوعية.
والحقيقة أن الحكمة لا تكمن في أن تكون سريعا ً أو بطيئا ً، وإنما في أن تعرف متى تسرع، ومتى تتمهل، ولماذا تفعل هذا أو ذاك .. فالسرعة في إنقاذ مصاب فضيلة، لكنها في إصدار حكم ٍ لم يكتمل فهمه خطأ .. والتروي في دراسة مشروع استثماري حكمة، لكنه في موقف يحتاج إلى قرار عاجل قد يتحول إلى تردد يضيع الفرص.
ولذلك فإن المعيار ليس السرعة في ذاتها، وإنما ملاءمتها للموقف .. فالحياة لا تكافئ الأسرع دائما ً، وإنما تكافئ من أحسن تقدير سرعته وفقا ً لقدراته، ومسؤولياته، والظروف المحيطة به. فالتسرع في طريق خطر ليس شجاعة، كما أن التمهل في موضع يحتاج إلى الحسم ليس حكمة، فالحكمة ليست في أن تُسرع أو تُبطئ، وإنما في أن تعرف السرعة التي يناسبها كل موقف.
وهذه ليست قاعدة تخص المشي في الطريق، بل قانون يمتد إلى كل تفاصيل الحياة؛ ففي اتخاذ القرار، والاستثمار، والزواج، وتربية الأبناء، وبناء المؤسسات، والسياسة، وقيادة الدول، وحتى في الكتابة، لا يكون النجاح للأسرع دائما ً، بل لمن اختار الإيقاع المناسب.
فكثير من القرارات لم تفشل لأنها كانت خاطئة، بل لأنها جاءت في الوقت الخطأ، أو بالسرعة الخطأ.
ومن أخطر ما يفعله الإنسان أن يستعير سرعة غيره ؛ فلكل إنسان ظروفه، ولكل تجربة طبيعتها، ولكل طريق تضاريسه. وما يصلح لغيرك قد لا يصلح لك، وما كان نجاحا ً في موقف قد يصبح تهورا ً في موقف آخر. ولهذا فإن مقارنة حياتك بحياة الآخرين، أو السير وفق إيقاع فرضته عليك ضغوط المجتمع، كثيرا ً ما يقود إلى قرارات لا تشبهك، ونتائج لا ترضيك.
ولعل السلحفاة لم تكن يوما ً رمزا ً للبطء، بقدر ما كانت رمزا ً لإنسان يعرف ما يحمل، ويعرف قدرته، ويختار سرعته وفقا ً لذلك .. فهي لا تتسابق مع أحد، ولا تعتذر عن إيقاعها، ولا تخجل من أنها لا تجري كغيرها؛ لأنها تدرك أن الوصول الآمن خير من الوصول المتعجل، وأن الحفاظ على ما تحمل أحيانا ً أهم من الوصول أولا ً.
إن الحياة لا تسأل في النهاية:
من كان الأسرع؟ وإنما تسأل:
من أحسن اختيار سرعته، فبلغ غايته دون أن يفقد نفسه، أو مبادئه، أو من كانوا يسيرون معه.
