هل فكرت يوما في تقييم أثر من مروا بحياتك؟

منذ 39 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم : مصطفى زكريا

ربما لا يخطر هذا السؤال على بال كثيرين ; فنحن نعتاد أن نحسب سنوات عمرنا، وعدد شهاداتنا، وإنجازاتنا، وأصدقائنا، وما حققناه من نجاحات .. لكن قلَّما نجلس مع أنفسنا لنُجري كشف حساب لمن مروا في حياتنا، وما الذي تركه كل واحد منهم داخلنا.
ولو فعلت ذلك، فقد تكتشف أن سجل حياتك يضم نماذج شديدة التنوع؛ حاقدا ََ، وحاسداً، وغيورا ََ، ومتكبرا ََ، وانتهازيا ََ، ومنافقا ََ، ومدلسا ََ، وأفاقا ََ، ونصابا ََ، وغشاشا ً، وتافها ََ، وأحمق، وناكرا ََ للجميل، وعديم الضمير، وقليل التربية، وفاقد الاحترام، ومضمحل الثقافة .. وربما وجدت أيضا ََ من عاش أسيرا ََ لعقد النقص، أو أسيرا ََ لأوهام العظمة، أو لم يستطع أن يرى نجاح غيره إلا بعين الحسد والغيرة.
وفي المقابل، ستجد وجوها ََ أخرى تستحق الامتنان .. أناسا ََ مروا مرورا ََ سريعا ََ، لكنهم تركوا كلمة صادقة، أو نصيحة مخلصة، أو موقفا ََ كريما ََ، أو دعما ََ في لحظة احتجت فيها إلى من يقف بجوارك .. وربما كان أثر هؤلاء في حياتك أكبر بكثير من أثر آخرين قضوا معك سنوات طويلة.

لكن ؛؛ هل هذه هي النتيجة التي ينبغي أن نتوقف عندها؟
أظن أن الإجابة: لا.
لأن القضية ليست في عدد هؤلاء، فوجودهم جزء من طبيعة الحياة، ولن يخلو منهم مجتمع ولا زمان.
أما السؤال الحقيقي فهو:
كم واحدا ََ منهم سمحت له أن يحتل مساحة من عقلك لا يستحقها؟ وكم ساعة من عمرك أهديتها لمن لم يكن جديرا ًَ بها؟
فكم من إنسان أضاع أياما ََ في مجادلة أحمق لا يريد أن يفهم، أو في محاولة إرضاء منافق لا يعرف إلا مصلحته، أو في مقاومة حاسد لا يتمنى الخير لأحد، أو في ملاحقة مدلس لا يعيش إلا بتزييف الحقائق، أو في الثقة بغشاش أو نصاب لم يكن يرى في الآخرين إلا وسيلة لتحقيق مصالحه.
إن أخطر ما يفعله بعض البشر ليس ما يقولونه أو ما يفعلونه، بل الوقت الذي يسرقونه من أعمارنا إذا سمحنا لهم بذلك .. فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات، وإنما بما نملؤها به من علم، وعمل، وهدوء، وإنجاز، وسكينة، وكل دقيقة تضيع في معركة لا تستحق، هي جزء من الحياة لن يعود.
ومن هنا، فإن تقييم أثر من مروا بحياتك ليس دعوة لإدانة الناس، ولا لتوزيع الأحكام عليهم، وإنما دعوة لمراجعة نفسك .. فمن يستنزف هدوءك مرة قد يكون الأمر عارضا ََ، أما من يستنزفه مرارا ََ، فربما تكون المشكلة أنك ما زلت تمنحه مكانا ََ لا يستحقه.
ومع مرور العمر، يكتشف الإنسان أن الحكمة ليست في أن ينتصر في كل معركة، بل في أن يعرف أي المعارك تستحق أن يخوضها، وأي الأشخاص يستحقون أن يبقوا في حياته، وأيهم ينبغي أن يتركهم خلفه دون ضجيج، ودون كراهية، ودون رغبة في الانتقام.

وفي النهاية ؛؛ إذا قررت أن تُجري هذا التقييم، فلا تبدأ بعدِّ الحاقدين أو الحاسدين أو المنافقين أو التافهين الذين مروا بحياتك.
بل اسأل نفسك سؤالا ً واحدا ً:
كم واحداً ً منهم سمحت له أن يسرق من عمرك أكثر مما يستحق؟
فإذا كانت إجابتك:
“لا أحد بعد اليوم” .. فاعلم أنك بدأت تكتب الفصل الأجمل من حياتك.

الاخبار العاجلة