
بقلم: مصطفي زكريا
في كل زمان ومكان، يظهر أولئك الذين لا يميلون مع الريح فقط، بل يتقنون الرقص على حبال المصالح، متخذين من منتصف العصا موقفا.ً دائما ً، لا عن حكمة أو اتزان، بل هروبا ً من المسؤولية وتكريسا ً للوصولية.
هذه الشخصيات لا تؤمن بمبدأ ولا تدافع عن قضية، بل تسعى لحياكة شبكة من العلاقات الرمادية، والتقرب من اقدام المسئول سعيا ً لنيل الرضا ربما يتيح لها هذا الأسلوب الرخيص المهين القفز دوما ًحيث تميل الكفة، دون أن تحترق أصابعها أو يرتبط اسمها بأي معركة حقيقية في وجه الظلم أو الخيانة أو الانحراف عن الصالح العام.
وما أخطر هذا النموذج حين يتسلل إلى مواقع التأثير — في العمل، في السياسة، أو حتى في المجتمع — إذ يتحول إلى مُخدر جماعي يعطل القرار، ويخنق الحماسة، ويُميّع القضايا حتى تفقد معناها. فهو لا يؤيد الظلم ولا يرفضه، لا يناصر الحق ولا يعاديه، ولا ينتقد سوء الأداء، بل يزين لكل طرف أنه معه، ويبرر لكل موقف أنه حكيم، بينما هو “أجبن” من أن يقول “لا”في العلن، وأضعف من أن يحمل “نعم”.
تنتشر هذه النماذج في المؤسسات أيضا ، كما تنتشر الرطوبة في الجدران المهجورة، فتقضي على البنية الفكرية والصلابة التنظيمية .
فهم من يسكتون عن الانحرافات بحجة الحفاظ على “الوحدة”، ويُرضون دوما ً كل الأطراف حتى لو على حساب المبادئ، وتجدهم يبررون الفشل بشعارات مطاطة فارغة من كل التزام.
وهكذا؛ تتحول المؤسسة من فاعل إلى متفرج، ومن منطقة عمل إلى مقعد خلفي في مسرح الأحداث .. فكيف لأرواح باهتة، أن تلعب أدوارا ً حقيقية في بناء وطن أو مواجهة فساد أو صياغة مستقبل؟
هؤلاء ليسوا حكماء، بل فراغات بشرية تتلوّن بلون الغلبة، وتسعى لأن تبقى على السطح دون أن تبلل قدميها بماء الحقيقة، يكرهون الوضوح، ويخشون الانحياز، لأنهم يدركون أنهم بلا قضية؛؛ بلا جوهر؛؛ بلا شجاعة وبلا نخوة .
إن من يمسك العصا من المنتصف دائما ً، لن يحملها يوما ً دفاعا ًعن الحق، ولن يلوّح بها رفضا ً للباطل، لأنه باختصار، لا يريد أن يُحسب عليه موقف، ولا أن يخسر فرصة، ولا أن يرتبط اسمه بمعركة قد تكلّفه مكسبا ً شخصيا ً يحلم به ويسعي اليه ولو زاحفا ً مستكيناً مستسلما ً ًمتنازلا ً مطأطئا ً رأسه حانيا ً قامته مبتسما ً ومرحبا ً علي الدوام !!!
لكن الشعوب لا تتقدم بهؤلاء، والمؤسسات لا تُبنى على أكتافهم، إنما تنهض الأمم بمن يقفون حيث يجب، لا حيث يرتاحون !
بمن يرفعون الصوت عندما يسود الصمت، لا بمن يهمسون بكلمات رخوة في الأذن الخطأ.
فلنقلها بوضوح :
الحياد الزائف ليس نُبلا ً، بل تواطؤ ناعم.
ومسك العصا من المنتصف ليس اتزانا ً، بل نفاق محسوب.
ومن لا ينحاز للحق وقت الحاجة؛ فهو شريك في الباطل حتي وإن إرتدي عباءة الوقار !
