
بقلم: د. علي الدكروري
في مقالي السابق، أوضحت أن أفريقيا لم تعد مجرد قارة واعدة، بل أصبحت إحدى أهم مناطق النمو الاقتصادي في العالم، بما تمتلكه من ثروات طبيعية، وموارد بشرية شابة، وأسواق واسعة تبحث عن التنمية والاستثمار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف تتحول هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية حقيقية؟
الإجابة لا تكمن في امتلاك الموارد وحدها، بل في القدرة على تحويلها إلى إنتاج وصناعة وتجارة تحقق قيمة مضافة وتوفر فرص عمل مستدامة.
فعلى مدى عقود طويلة، اعتمدت كثير من الاقتصادات الأفريقية على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة، وهو نموذج يحقق عوائد محدودة ولا يبني اقتصادًا قويًا قادرًا على المنافسة. أما المستقبل، فيتطلب أن تصبح أفريقيا منتجًا للقيمة، لا مجرد مصدر للموارد.
وهنا تبرز أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي تمثل فرصة تاريخية لبناء أكبر سوق موحدة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة. لكن نجاحها لن يتحقق بتوقيع الاتفاقيات وحدها، بل بقدرة الدول على إزالة العوائق أمام حركة التجارة، وتطوير شبكات النقل واللوجستيات، وتسهيل انتقال السلع ورؤوس الأموال والخدمات بين الأسواق الأفريقية.
كما أن القطاع الخاص سيكون اللاعب الرئيسي في هذه المرحلة. فالحكومات تضع السياسات وتبني البنية الأساسية، بينما يقوم المستثمرون بإنشاء المصانع، وتطوير الصناعات، وخلق فرص العمل، وتوسيع حركة التجارة.
ومن هذا المنطلق، فإن الفرصة أمام الشركات العربية والمصرية كبيرة للمشاركة في هذا التحول، من خلال الاستثمار في التصنيع، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والتعليم، والرعاية الصحية، وهي قطاعات تشهد طلبًا متزايدًا في معظم الأسواق الأفريقية.
وفي هذا السياق، تمتلك مصر موقعًا استراتيجيًا يجعلها مؤهلة للقيام بدور محوري في التكامل الاقتصادي الأفريقي. فإلى جانب موقعها الجغرافي الفريد، تمتلك بنية تحتية حديثة، وموانئ متطورة، وشبكة طرق ومناطق صناعية، وخبرات متراكمة في مجالات الإنشاءات والطاقة والصناعة والخدمات، وهو ما يعزز قدرتها على أن تكون مركزًا إقليميًا للتصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية المرتبطة بالقارة.
كما أن توجه الدولة المصرية نحو تعميق التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية، ودعم مشروعات الربط الإقليمي، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل التنمية في أفريقيا يقوم على الشراكة والتكامل، وليس على المنافسة المنفردة.
لكن النجاح في أفريقيا يتطلب أيضًا فهم خصوصية كل سوق، واحترام ثقافات الشعوب، وبناء شراكات طويلة الأجل تقوم على نقل المعرفة وتبادل الخبرات وتحقيق المنفعة المشتركة، بعيدًا عن النظرة التقليدية التي تركز فقط على تحقيق الأرباح السريعة.
إن العالم اليوم يعيد رسم خريطته الاقتصادية، ويبحث عن مراكز جديدة للنمو والإنتاج، وأفريقيا تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون أحد أهم هذه المراكز خلال السنوات المقبلة.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة دول القارة والقطاع الخاص على استثمار هذه الفرصة التاريخية، وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية، وصناعات تنافسية، وتجارة أكثر تكاملًا، بما يحقق التنمية المستدامة لشعوب أفريقيا.
خلاصة الدكروري
لم تعد أفريقيا قارة تنتظر الاستثمار، بل أصبحت شريكًا في صناعة الاقتصاد العالمي الجديد. والتحدي اليوم ليس في اكتشاف الفرص، وإنما في تحويلها إلى إنتاج وصناعة وتجارة تحقق قيمة مضافة داخل القارة.
وتمتلك مصر فرصة تاريخية لتكون في قلب هذا التحول، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي، وخبراتها، وعلاقاتها المتنامية مع الدول الأفريقية، لتكون جسرًا بين أفريقيا والأسواق العالمية، وشريكًا في بناء مستقبل اقتصادي أكثر ازدهارًا للقارة بأكملها.
*كاتب المقال: رجل أعمال ومستثمر دولي وخبير اقتصادي.
