
بقلم: مصطفى زكريا
ليست قوة الأمم في عدد ما تملكه من سلاح، وإنما في قدرتها على حماية وعيها حين يحاول أحد أن يصادره. فالاحتلال يستطيع أن يفرض سلطته على الأرض، وأن يغلق صحيفة، وأن يمنع خطبة، وأن يعتقل قائدًا، لكنه يعجز عن احتلال ضمير شعب، أو مصادرة خياله، أو منع فكرة إذا وجدت طريقها إلى القلوب. ومن هنا كانت معارك الشعوب الكبرى لا تُخاض في ميادين القتال وحدها، بل تُخاض أيضًا في الأغنية، والكلمة، والرمز، وكل وسيلة تحفظ الذاكرة الوطنية وتبقي جذوة الأمل مشتعلة.
في هذا السياق ولدت أغنية «يا بلح زغلول» في أعقاب ثورة 1919، حين فرض الاحتلال البريطاني رقابة مشددة على كل ما يتعلق بالزعيم سعد زغلول والحركة الوطنية. وكان مجرد ذكر اسمه يحمل رسالة سياسية لا يريدها المحتل أن تصل إلى الناس. لكن المصريين لم يستسلموا لمنطق المنع، بل ابتكروا طريقًا آخر. كتب يونس القاضي كلمات الأغنية، ولحنها سيد درويش، وأدتها نعيمة المصرية، لتتحول بسرعة إلى واحدة من أشهر الأغنيات الوطنية في تاريخ مصر.
وفي ظاهرها كانت الأغنية تحتفي بالبلح، أما في حقيقتها فكانت تحتفي بسعد زغلول. لم يكن الرمز مجرد حيلة لغوية، بل كان تعبيرًا عن ذكاء جمعي أدرك أن الفكرة أهم من اللفظ، وأن المعنى يستطيع أن يعيش حتى لو تغيرت الكلمات. فكان الناس يرددون الأغنية وهم يعلمون تمامًا المقصود منها، بينما يجد المحتل نفسه أمام كلمات لا يستطيع أن يدينها صراحة، ورسالة لا يستطيع أن يمنع وصولها.
وهنا تكمن عبقرية التجربة المصرية. فلم يختر المصريون الرمز لأنهم عجزوا عن المواجهة، وإنما لأنهم أدركوا أن المعركة الحقيقية ليست معركة ألفاظ، بل معركة وعي. فالكلمة قد تُحظر، أما الفكرة فلا تُحظر. والاسم قد يُمنع، أما الرمز فيجد ألف طريق إلى العقول. ولذلك لم يكن «البلح» بطل الأغنية، وإنما كان الستار الذي أخفى خلفه اسم سعد زغلول، حتى بقي حاضرًا في وجدان الناس رغم كل محاولات التعتيم.

ولعل أخطر ما واجهه الاحتلال البريطاني لم يكن المظاهرات وحدها، وإنما هذا الوعي الشعبي الذي جعل المجتمع كله شريكًا في المقاومة. فالمواطن المصري البسيط لم يكن يحمل شهادة في العلوم السياسية، ولم يدرس نظريات المقاومة، لكنه امتلك بفطرته قدرة مدهشة على التمييز بين الكلمة ومعناها، وبين الرمز وما يخفيه. أدرك أن الأغنية قد تكون أبلغ من الخطبة، وأن اللحن قد يحمل رسالة يعجز البيان السياسي عن إيصالها، فتحول من مجرد متلقٍ للأحداث إلى صانع لها.
ولم تكن «يا بلح زغلول» حادثة منفردة في تاريخ مصر، بل كانت امتدادًا لثقافة عرفت قيمة الرمز منذ آلاف السنين. فالحضارة المصرية القديمة استخدمت الرمز لغةً للتعبير عن العقيدة والحياة والسلطة، ومع تغير العصور بقيت هذه القدرة على التعبير غير المباشر جزءًا من الشخصية المصرية. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول أغنية شعبية بسيطة إلى وسيلة مقاومة، وأن يصبح الفن أحد ميادين الدفاع عن الوطن.
إن هذه القصة تكشف قانونًا يتكرر في تاريخ الأمم؛ فكلما اشتدت الرقابة، ازدادت قيمة الرمز، وكلما ضاقت مساحة التصريح، اتسعت مساحة الإبداع. فالسلطة تستطيع أن تمنع عبارة، لكنها تعجز عن منع شعب من أن يبتكر لغة جديدة يعبر بها عن نفسه. وهكذا لا يكون الرمز وسيلة للهروب من القمع، بل يصبح دليلًا على حيوية المجتمع، وقدرته على حماية هويته بوسائله الخاصة.
لقد رحل الاحتلال البريطاني، ورحل الذين أصدروا أوامر المنع، وبقيت «يا بلح زغلول» تتردد حتى اليوم. ولم تبق لأنها أجمل أغنية وطنية فحسب، بل لأنها حملت درسًا لا يشيخ؛ وهو أن الشعوب الواعية لا تنتظر الإذن لتقول ما تؤمن به، بل تبتكر اللغة التي تعجز الرقابة عن إسكاتها.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية لهذه الأغنية لا تكمن في كلماتها أو لحنها وحدهما، وإنما فيما كشفت عنه من حقيقة أعمق؛ وهي أن المواطن المصري البسيط كان، وسيظل، أحد أهم صُنّاع التاريخ في هذا الوطن. فقد أثبت أن مقاومة الاحتلال ليست مسؤولية الزعماء وحدهم، ولا مهمة الجيوش وحدها، وإنما هي أيضا ً فعل وعي يمارسه شعب يعرف كيف يحول الفن إلى رسالة، والرمز إلى موقف، والأغنية إلى راية .. وحين يمتلك شعب هذا القدر من الوعي، فقد يتعثر في معركة، لكنه لا يُهزم في تاريخه.
