لم تكن مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي مجرد وداع لزعيم حكم إيران لعقود، بل بدت أقرب إلى استعراض سياسي وأمني يحمل رسائل تتجاوز حدود الجنازة نفسها.
ملأت هتافات «الانتقام» ساحات طهران، بينما الغياب اللافت لنجله وخليفته مجتبى خامنئي، طغى على المشهد.
من جانبها تحاول القيادة الإيرانية الجديدة رسم ملامح المرحلة المقبلة، وسط تساؤلات حول شكل السلطة بعد الرجل الأقوى في الجمهورية الإسلامية.
وشهد اليوم الثاني من مراسم العزاء مشاركة حشود كبيرة رددت شعارات تطالب بالثأر لمقتل خامنئي، في مشهد حرصت السلطات على إظهاره باعتباره تعبيرًا عن تماسك الجبهة الداخلية واستمرار الالتفاف الشعبي حول النظام، رغم الضربة التي تلقاها بمقتل المرشد في الضربة الافتتاحية للحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير الماضي.
لكن ما لفت الأنظار أكثر من حجم الحشود، كان استمرار غياب مجتبى خامنئي، الذي تولى منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده، عن الظهور العلني للمرة الثانية على التوالي، في وقت ظهر فيه ثلاثة من أشقائه خلال مراسم التشييع.
ويعزز هذا الغياب التكهنات بشأن وضعه الصحي، بعدما تحدثت تقارير عن إصابته في الهجوم الذي أودى بحياة والده، بينما تكتفي السلطات الإيرانية بإصدار بيانات مكتوبة باسمه دون ظهور مباشر.
ويشير المشهد إلى أن طهران تحاول تحقيق توازن دقيق بين مسارين متوازيين؛ الأول، تثبيت شرعية القيادة الجديدة داخليًا عبر جنازة جماهيرية ضخمة تظهر استمرار مؤسسات الدولة وعدم اهتزازها، والثاني، الحفاظ على خطاب المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال إبقاء شعار «الانتقام» حاضرًا في الفضاء العام، بما يمنح القيادة الجديدة مساحة لاحتواء التيار المتشدد الذي يطالب برد قوي على اغتيال خامنئي.
وتزداد أهمية هذا الخطاب في ظل توقف مؤقت للمفاوضات الأمريكية الإيرانية خلال أيام التشييع، ما يجعل مراسم العزاء جزءًا من المشهد السياسي المحيط بالمفاوضات، وليس حدثًا منفصلًا عنها.
فبينما تؤكد واشنطن رغبتها في استئناف المحادثات بعد انتهاء الجنازة، تسعى طهران إلى الدخول في أي جولة تفاوضية من موقع لا يبدو فيه النظام ضعيفًا أو مضطرًا لتقديم تنازلات تحت وقع الضربة التي فقد فيها أعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد.
وفي هذا السياق، تبدو جنازة خامنئي أكثر من مجرد مناسبة دينية أو شعبية؛ فهي تمثل اختبارًا لقدرة القيادة الجديدة على إدارة مرحلة انتقالية غير مسبوقة، وإعادة إنتاج صورة النظام أمام الداخل والخارج.
يحمل كل هتاف، وكل مشهد جماهيري، وحتى الغياب المتواصل للمرشد الجديد؛ دلالات سياسية تراقبها العواصم الإقليمية والدولية عن كثب، باعتبارها مؤشرات مبكرة على شكل إيران في مرحلة ما بعد خامنئي.














