جهاز مستقبل مصر.. بين الحل والتطوير

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

لا يختلف اثنان على أن بناء الدول الحديثة لم يعد يعتمد فقط على حجم الموارد أو الإمكانات، وإنما أصبح يعتمد قبل كل شيء على كفاءة مؤسساتها، وقدرتها على تحويل الرؤية إلى نتائج، والسياسات إلى إنجازات ملموسة.

ومن هذا المنطلق جاء الإعلان عن إنشاء جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ثم التوسع في إسناد عدد من الملفات الاستراتيجية إليه، ليطرح أمام الرأي العام نقاشا ً مشروعا ً يتجاوز حدود هذا الجهاز نفسه، إلى سؤال أوسع يتعلق بفلسفة بناء مؤسسات الدولة.
فهل تكون مواجهة التحديات بإنشاء مؤسسات جديدة؟
أم يكون الحل في تطوير المؤسسات القائمة ومنحها الأدوات التي تمكنها من أداء دورها بكفاءة أكبر؟

إن طرح هذا السؤال لا يحمل اعتراضا ً على إنشاء الجهاز، ولا تشكيكا ً في أهدافه أو القائمين عليه، وإنما ينطلق من أهمية مناقشة إحدى القضايا الأساسية في الإدارة العامة، وهي كيفية اختيار الهيكل المؤسسي الأكثر قدرة على تحقيق الأهداف الوطنية.

فالدول، عبر تجاربها المختلفة، تلجأ أحيانا ً إلى إنشاء مؤسسات جديدة عندما تواجه تحديات استثنائية، أو عندما تتداخل الاختصاصات بصورة تعيق سرعة الإنجاز، أو عندما تستلزم طبيعة المرحلة وجود كيان يمتلك صلاحيات وآليات عمل تختلف عن الهياكل التقليدية. وفي المقابل، هناك دول تفضل إصلاح المؤسسات القائمة، وإعادة هيكلتها، وتحديث تشريعاتها، باعتبار أن تراكم الخبرات داخلها يمثل رصيدا ً لا ينبغي التفريط فيه.

ومن هنا، فإن القضية ليست في إنشاء مؤسسة جديدة أو الإبقاء على مؤسسة قائمة، وإنما في قدرة أي منهما على تحقيق الغاية التي أُنشئت من أجلها.
وقد يرى البعض أن إنشاء جهاز جديد يمنح الدولة مرونة أكبر وسرعة في اتخاذ القرار، ويتيح تجميع الاختصاصات المتفرقة داخل إطار واحد، بما يقلل من البيروقراطية ويزيد من كفاءة التنفيذ، خاصة في المشروعات القومية الكبرى التي تحتاج إلى تنسيق مستمر بين جهات متعددة.

وفي المقابل، يطرح آخرون تساؤلات لا تقل أهمية، من بينها: كيف يمكن ضمان عدم تداخل الاختصاصات بين الجهاز الجديد والوزارات والهيئات القائمة؟
وهل ستظل الأدوار محددة بوضوح يمنع ازدواجية القرار؟ وهل سيقود نجاح التجربة إلى إعادة توزيع بعض الاختصاصات مستقبلا ً ، أم إلى إعادة تعريف أدوار بعض المؤسسات التقليدية؟

وهنا يبرز جانب آخر ربما يكون أكثر أهمية من إنشاء أي مؤسسة جديدة، وهو ضرورة أن تظل عملية التقييم والمراجعة المؤسسية جزءا ً دائما ً من إدارة الدولة .. فالمؤسسات، مهما بلغت كفاءتها، ليست كيانات جامدة، بل يجب أن تتطور باستمرار وفقا ً لما تكشفه التجربة العملية من نجاحات أو تحديات.

ولعل القيمة الحقيقية لأي نموذج مؤسسي لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدر عنه، وإنما بقدرته على تحقيق النتائج، وبمدى وضوح مسؤولياته، وسهولة التنسيق مع بقية أجهزة الدولة، وغياب أي ازدواج في الاختصاص أو تضارب في القرار.

إن بناء المؤسسات لا ينبغي أن يكون استجابة لظروف الحاضر وحدها، بل يجب أن يكون جزءا ً من رؤية ممتدة للمستقبل، تراعي أن قوة الدولة لا تقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بكفاءة منظومتها المؤسسية، ووضوح العلاقات بين أجهزتها، وقدرتها على العمل كوحدة واحدة نحو هدف مشترك.

ولذلك، فإن إنشاء جهاز مستقبل مصر ؛ قد يكون خطوة استراتيجية فرضتها طبيعة المرحلة .. وقد تكشف التجربة العملية مستقبلاً عن الحاجة إلى مراجعات أو تعديلات في توزيع بعض الاختصاصات بينه وبين المؤسسات القائمة، وهذا أمر طبيعي تعرفه جميع النظم الإدارية الناجحة، إذ لا توجد منظومة مؤسسية كاملة منذ يومها الأول، وإنما تكتمل بالتقييم والتطوير المستمر.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يظل حاضرا ً في أذهاننا دائما ً :
هل يكون الطريق إلى بناء دولة أكثر كفاءة بإضافة مؤسسات جديدة كلما ظهرت تحديات جديدة، أم أن الاستثمار الأكبر يجب أن يكون في تطوير وإصلاح المؤسسات التي تمتلكها الدولة بالفعل؟

فربما لا تكون الإجابة واحدة في كل زمان ومكان، لكن المؤكد أن نجاح أي دولة يبدأ من حسن اختيار النموذج المؤسسي الذي يحقق أفضل أداء، بأقل تداخل، وأعلى كفاءة، وأوضح مسؤولية.

الاخبار العاجلة