
بقلم: لواء مصطفى زكريا
في الحروب الحديثة، لا تكفي كثافة الضربات الجوية، ولا صخب التصريحات النارية، ولا عناوين الإعلام المتعجلة، للحكم على من انتصر ومن تراجع .. فالمعيار الحقيقي يظهر عند لحظة التحول:
من الذي غيّر موقفه؟ ومن الذي اضطر إلى تعديل شروطه؟
ومن بقي ثابتا ًرغم الضغط؟
حين صدرت تهديدات متكررة من ترامب بمحو إيران من على الخريطة، بدا المشهد وكأن المواجهة تتجه إلى كسر كامل للإرادة الإيرانية؛ ثم تكرر الحديث عن مهلات، وإنذارات، وضغوط لإجبار طهران على قبول تفاوض وفق الشروط الأمريكية.
لكن ما حدث لاحقا ً يستحق التوقف؛ فبعد عدم تجاوب إيران للمرة الثانية مع الطرح الأمريكي، جاء الإعلان عن تمديد غير مشروط لوقف إطلاق النار، ودون سقف زمني واضح .. وهنا يبرز السؤال المنطقي: إذا كانت الضغوط ناجحة، فلماذا التراجع عن لغة الإنذار؟
وإذا كان الطرف المقابل منهاراً، فلماذا يُمنح الوقت المفتوح؟
في المقابل؛ حافظت إيران على خطاب أكثر تشددا ً، ورفضت ما تعتبره إملاءات مفروضة تحت النار، وقد يختلف كثيرون مع سياساتها، لكن قراءة الموقف الاستراتيجي شيء، والاتفاق السياسي شيء آخر.
هنا يصبح السؤال مشروعا ً:
من المنتصر ومن المهزوم؟
إذا كان طرفٌ بدأ المعركة بلغة الحسم، ثم انتهى إلى هدنة مفتوحة، بينما الطرف الآخر لم يُبدِ خضوعا ً سياسيا ً واضحا ً؛ فإن الصورة لا تشبه نصرا ً كاملا ً كما صُوِّر في البداية.
هذا لا يعني أن إيران خرجت منتصرة بالمعنى التقليدي، ولا أن الولايات المتحدة أو إسرائيل هُزمتا عسكريا ً بصورة مباشرة. لكنه يعني أن الأهداف المعلنة شيء، والنتائج الفعلية شيء آخر.
فإذا كان الهدف كسر الإرادة الإيرانية سريعا ً، ثم لم يحدث؛ فذلك إخفاق .. وإذا كان الهدف فرض شروط سياسية بالقوة، ثم استبدلت الشروط بتهدئة مفتوحة؛ فذلك تراجع.
وإذا كان الهدف تغيير السلوك الإيراني جذرياً، ثم بقي التشدد قائما ً، فذلك مؤشر على محدودية الأثر.
الحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بعدد المواقف التي تغيّرت .. وأحيانا ً يكون الصمود أمام القوة، في ذاته، صورة من صور القوة.
لذلك قد تكون العبارة الأدق: ليس المنتصر من يضرب أولاً، بل من يفرض شكل النهاية.
