
بقلم: مصطفى زكريا
هناك قضايا قد تبدو للبعض بسيطة أو خدمية، لكنها في حقيقتها تمس صورة الدولة وجودة الحياة اليومية للمواطنين وملايين الزائرين.
ومن هذا المنطلق أرى أن الوقت قد حان لكي تلتفت الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام المصرية إلى ما تشهده خدمات النقل الذكي من تراجع ملحوظ في مستوى الخدمة، وأن تتحول هذه القضية إلى ملف للنقاش العام والرقابة المجتمعية.
فالأحزاب ليست معنية فقط بالقضايا الدستورية والانتخابية، بل بكل ما يؤثر على حياة المواطنين بصورة مباشرة، كما أن الإعلام لا يقتصر دوره على متابعة الأحداث السياسية، بل يمتد إلى كشف أوجه القصور في الخدمات التي يتعامل معها الناس يوميا ً .. وعندما تتكرر شكاوى المواطنين من تدهور مستوى بعض خدمات النقل الذكي، فإن الأمر يستحق فتح نقاش جاد يهدف إلى دفع الجهات المختصة للتدخل ووضع ضوابط أكثر صرامة تحافظ على جودة الخدمة وتحمي حقوق المستخدمين.
فعندما ظهرت تطبيقات النقل الذكي في مصر قبل سنوات، استقبلها المواطنون باعتبارها نقلة حضارية حقيقية في قطاع النقل ، فقدمت بديلاً أكثر أمانا ّ وتنظيما ّ من كثير من وسائل المواصلات التقليدية، واعتمدت على التكنولوجيا في تحديد هوية السائق ومسار الرحلة وتقييم مستوى الخدمة، الأمر الذي منح المستخدم شعورا ّ أكبر بالثقة والاطمئنان.
لكن المتابع لما يحدث اليوم يلاحظ أن جزءا ّ من هذه الميزة التنافسية بدأ يتآكل تدريجيا ، وباتت هناك شكاوى كثيرة تتكرر يوميا ّ من الركاب بشأن تراجع مستوى الخدمة بصورة لافتة.
وأصبح من المعتاد أن يستقل الراكب سيارة تعاني من ضعف النظافة، أو مقاعد مهترئة، أو روائح غير مقبولة، أو تكييف معطل في أوقات ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات مرهقة .. وفي أحيان أخرى يفاجأ الراكب بسيارة لا تختلف كثيرا ً في حالتها العامة عن سيارات الأجرة التقليدية التي كان يلجأ إلى هذه التطبيقات هربا ً منها في الأساس بل في الحقيقة أسوء بكثير.
ولا يتوقف الأمر عند حالة السيارة فقط، بل يمتد أحيانا ً إلى سلوك بعض السائقين؛ فهناك من يتحدث في الهاتف طوال الرحلة، أو يدخن، أو يتعامل بعصبية وعدم مهنية، أو يفرض على الراكب نقاشات لا يرغب فيها، بما يتعارض مع أبسط قواعد الخدمة الاحترافية.
والمشكلة الأكبر أن هذا التراجع لم يعد يقتصر أثره على المواطن المصري وحده، بل امتد ليؤثر على صورة مصر أمام ضيوفها؛ فآلاف السائحين ورجال الأعمال والزائرين يعتمدون على هذه التطبيقات في تنقلاتهم اليومية، وعندما يجد السائح سيارة غير نظيفة أو سائقا ً يفتقد المهنية وحسن المظهر والسلوك، فإنه لا يكوّن انطباعا ً سلبيا ً عن الشركة فقط، بل عن مستوى الخدمات في البلد كله.

لقد أنفقت الدولة مليارات الجنيهات على تطوير المطارات والطرق والمدن السياحية والبنية التحتية، وتسعى لتحسين صورة مصر عالميا ً وجذب المزيد من السائحين والاستثمارات، ومن غير المقبول أن تضيع بعض هذه الجهود بسبب تدني مستوى خدمة تمثل في كثير من الأحيان أول احتكاك مباشر بين الزائر وبين المجتمع المصري بعد خروجه من المطار.
ومن هنا فإن الأمر يحتاج إلى تدخل عاجل من الجهات المختصة لإعادة تقييم منظومة الرقابة على هذه الشركات، ووضع معايير أكثر صرامة فيما يتعلق بحالة السيارات ونظافتها وسلوك السائقين ومظهرهم العام، مع تفعيل حملات تفتيش دورية وعقوبات رادعة للمخالفين.
كما أرى أن للأحزاب السياسية ووسائل الإعلام دورا ً مهما ً في إثارة هذا الملف ومتابعته والضغط من أجل إصلاحه، لأن القضية لم تعد مجرد خدمة نقل، بل أصبحت مرتبطة بصورة مصر وسمعتها السياحية وجودة الحياة اليومية لمواطنيها.
فإذا كانت هذه الشركات قد نجحت يوما ً في تغيير ثقافة النقل داخل المدن المصرية، فإن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في التوسع والانتشار، بل في منع انحدار مستوى الخدمة إلى درجة تجعلها تفقد الأسباب التي صنعت نجاحها منذ البداية.
